لا شكّ في أنّ الحبّ والشغف يعملان الخوارق والعجائب، ويضيفان جمالاً وإبداعاً إلى العمل الذي يقوم به الإنسان؛ فهما رأس مال العمل المميّز، وأساس المشروع الناجح. فالمحبّ لعمله لا يشعر بالتعب، ولا بالإرهاق، ولا بثقل الوقت، بل يتلذّذ بالراحة والطمأنينة والانشراح والهمّة العالية، نظراً لشغفه وولعه وإلمامه بعمله واندماجه فيه.

يقول أحد المسؤولين في شركة جوجل (Google)، التي مقرّها في ولاية كاليفورنيا: «كثيراً ما نعجز عن إقناع موظفينا بمغادرة مكاتبهم مساءً؛ فشغفهم بالعمل يستحوذ عليهم، ويُنسيهم كلّ ما سواه». ويقول الشاعر:

إنّ المحبّ إذا أحبّ حبيبَهُتلقاهُ يبذلُ فيه ما لا يُبذلُ

أمّا من يؤدّي عمله من باب «مُكرهٌ أخاك لا بطل»، و«ما باليد حيلة»، ويستقبلُ كلّ يوم على أنّه عبءٌ ثقيل وحِملٌ لا يُطاق، فإنّه يعيشُ في قلقٍ واضطراب وانفصال داخلي، وتدورُ في رأسه رحى الأسئلة اللامتناهية، ويعاني من التذمّر، وقلّة الحماس، وضعف الإنتاجية، وغياب الولاء؛ لا لشيءٍ إلا لأنّه وُضع في غير محلّه، ونبتَ في غير أرضه، كمَا يقولُ المثل.

سألتُ أحدَ الطلاب الدارسين بمرحلة الدكتوراه عن المشروع الذي سيقدّمه لنيل الدرجة العلمية، وعن الموضوع الذي اختاره لبحثه، فقال لي ببرود: «كلّمتُ الأستاذ أن يختار لي موضوعاً مناسباً!». قلتُ له متعجّباً: «هذه مرحلة الدكتوراه، وليست مرحلة جامعية، حتى يحدّد لك الأستاذ عنوان مشروعك!». فردّ قائلاً: «أعتقد أنّ اختياره سيكون أفضل من اختياري».

يا إلهي! ما هذه الاتكالية المفرطة، والتعبية، وحبّ الراحة والدعة، والهروب من تحمّل المسؤولية؟! وماذا ستكون القيمة الأكاديمية، والإسهام العلمي، والإثراء المعرفي لهذا البحث؟ وأين سنجدُ شخصية الطالب في بحثٍ إذا كان الأستاذ هو من اختار عنوانه وموضوعه، وقسّمه إلى أبواب وفصول ومباحث، وربّما ساهمَ في بلورة بعض جوانبه؟

الحبّ والشغف شرطان أساسيان لكلّ عمل مميّز؛ فإن كنتَ لا تحبّ تخصّصك في الجامعة، فأنت في المكان الخطأ. فكيف تقضي زهرة شبابك، بل أجمل أيام حياتك، في دراسة لا تُلهمك الإبداع، ولا تفتح لك أبواب التميّز؟ العلم جميل، وبذل الجهد فيه من ألذّ متاع الدنيا، فاطلب مجالاً وتخصّصاً تحبّه وتعشقه، ويحتاجه بلدك وأمّتك. أمّا إذا كان الهدف من العلم الحصول على ورقة مختومة فقط، فهو إرهاق وندم وحسرة.

وإن كنت لا تحبّ البحث العلمي، ولا تجدُ في خوض أغواره متعةً ونشوةً معرفية، ولا تسعى من خلاله إلى حلّ مشاكل حقيقية، وسدّ فجوة فكرية في المكتبة، فأنت في المكان الخطأ؛ فالبحث ليس جمع معلومات، ولا تسويد أوراق، ولا كتابة هوامش وتسطير مصادر، بل هو رحلة استكشاف عميقة، وتجربة فكرية ممتعة، ومن يفقد الشغف في هذه الرحلة، فلن يشعر بالإنجاز الحقيقي أبداً.

وإذا كنت لا تحبّ العمل الذي تذهب إليه يومياً، وتشعر أنّ كلّ صباح هو بداية يوم ثقيل، وأنّ كلّ ساعة تمرّ كأنّها عقوبة، فأنت في المكان الخطأ كذلك؛ إذ لا شيء يقتل الإبداع مثل وجود الإنسان في مكان لا يناسبه، وبيئة لا يحبّها. أمّا العمل المناسب، فهو يهبك الشغف، ويمنحك الدافعية والطاقة، ويجعلك تستيقظ كلّ يوم مبتسماً متفائلاً.

شمعة أخيرة

لا تكن مقلّداً في اختياراتك، ولا اتكالياً في قراراتك، ولا مبدّداً لوقتك وجهدك في مكان لا يناسبك، أو تخصّص لا يحبّه قلبك، ولا يرتاح إليه ضميرك، وإلّا ستختفي وسط الزحام.