خلال بحثي في الأرشيف والوثائق وسجلات الدولة، ومع تتابع القراءات عن الرجال الذين أسهموا في صياغة ملامح البحرين الحديثة، برز اسم يوسف الشيراوي بوصفه شخصية تشغل مساحة واسعة في ذاكرة التنمية، ومساراً يتقاطع فيه الفكر مع الإدارة، والمعرفة مع المشروع الوطني، وفي عمق تلك السجلات تتشكل صورة رجلٍ امتلك قدرة على تحويل العمل العام إلى مسار فكري واقتصادي متكامل، يحرّك القطاعات، ويمنح المؤسسات روحاً تتقدم بثبات.

وأثناء تتبع سيرته، وقفت أمام ما كتبه الدبلوماسي الوزير الأديب غازي عبدالرحمن القصيبي عنه، فوجدت نصاً يتجاوز قالب الرثاء التقليدي نحو مساحة تكشف طبقات أعمق من شخصية الشيراوي، نصّ يحمل لغة صديق يعرف حجم الأثر، ويستعيد مشاهد العمل والرفقة والسفر، ويصف مملكة داخل إنسانٍ عاش بوعي مختلف، مملكة تتشكل من تفاصيل تعكس ذكاءه، وصفاء روحه، واتساع معارفه، وتنوع اهتماماته بين الكيمياء والفلك والشعر والتاريخ، حتى بدت التجربة أشبه بسيرة تمتد بين عالمي الإدارة اليومية، وعالم الثقافة التي تصوغ وعي المسؤول.

ولد يوسف أحمد الشيراوي في المحرق عام 1927، وتكوّن وعيه الأول في بيئة مفتوحة على المعرفة، قبل أن ينتقل إلى الجامعة الأميركية في بيروت لدراسة البكالوريوس في الكيمياء عام 1950، ثم للماجستير في ذات التخصص بجامعة غلاسكو عام 1955، وهذا المسار العلمي شكّل قاعدة صلبة لخبرة تراكمت بين التعليم والإدارة، وصولًا إلى تحمّل مسؤوليات كبرى في الدولة.

ويشهد التاريخ البحريني الحديث على الدور الذي أدّاه يوسف الشيراوي في تشييد بنية صناعية وفنية تمتلك عمقًا استراتيجيًا، إذ ربط بين بناء المؤسسات وتطوير البيئة الاقتصادية الأوسع، من خلال قراءة دقيقة لمتطلبات الصناعة الحديثة في تلك المرحلة، وتبيّن سجلات تلك الفترة أنه اتجه نحو تأسيس منظومة متكاملة تُعدّ اليوم من أهم أعمدة الاقتصاد الوطني.

ففي "ألبا"، برز دوره في وضع الأسس الأولى لمصهر يعتمد على أحدث التقنيات آنذاك، ليصبح لاحقًا أحد أكبر مصاهر الألمنيوم عالميًا، وتتحوّل منتجاته إلى قاعدة مهمة للصناعات التحويلية في المنطقة، بينما حمل مشروع "بناغاز" بصمة واضحة في تطوير قطاع الغاز من خلال إنشاء محطات الضغط ومرافق تجهيز البروبان والبيوتان والنفتا، وهو ما أتاح تكوين سلسلة إنتاج صناعية متماسكة ترتبط بصناعة النفط والغاز وتفتح أبوابًا لأسواق جديدة.

كما لعب الشيراوي دوراً محورياً في مشروع "بانوكو" عبر شراكات مدروسة مكّنت البحرين من بناء ذراع وطني في مجال النفط، مع توسعة في القدرات التشغيلية التي مهدت لمرحلة اقتصادية أكثر توازنًا، أما "بابكو" فقد استفادت من هذه الرؤية في تعزيز موقعها الإقليمي، عبر تطوير الهياكل التشغيلية وتمكين نموذج حديث يدعم صناعة التكرير وانتقالها إلى نطاق أوسع.

ويمتد هذا الدور إلى قطاع النقل الجوي عبر "طيران الخليج"، حيث تتقاطع القرارات التي اتُخذت في تلك المرحلة مع رؤية واضحة لمنح البحرين موقعًا محوريًا في حركة الطيران الإقليمي، من خلال شراكات خليجية أسست لشركة حملت صورة الدولة إلى الخارج، ورسّخت حضورها في الأسواق الدولية.

وتكشف هذه الملفات عن أثر متراكم يضع الشيراوي في دائرة الشخصيات التي أسهمت في صياغة المشهد الصناعي والاقتصادي، ضمن مرحلة احتاجت إلى جرأة في اتخاذ القرار، ووعي يقرأ المسافة بين الإمكانات المحلية والتحولات العالمية، وحضور إداري قادر على ترجمة المشروعات إلى واقع يستمر أثره عبر الزمن.

فكانت تجربته في التنمية مشروعًا طويل الأفق، يجمع بين المعرفة العلمية والرؤية الاقتصادية، ومن خلال تتبع مسيرة الشيراوي نجد أسلوبًا يقوم على تفكيك التحديات ثم إعادة تركيبها وفق قراءة دقيقة للفرص المتاحة، مع حرص على تطوير علاقات دولية تخدم الاقتصاد الوطني، وتدعم شراكات جديدة في مجالات النفط والصناعة، وقد انعكس ذلك في مشروعات حملت طابعًا استراتيجيًا، وأسهمت في انتقال البحرين نحو قاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً.

وفي الجانب الثقافي، تتكرر الإشارات إلى اهتمامه بالشعر العربي، وخصوصًا المتنبي، حتى ارتبط اسمه بمشروع "أطلس المتنبي"، وهو عمل يكشف عن شخصية تقرأ الشعر بروح الباحث، وتتعامل مع التراث العربي عبر أدوات علمية ومنهجية، وتتجاور هذه الهوية الثقافية مع اهتمام بالفلك والفيزياء والموسيقى، ما يزيد من وضوح تلك الصورة التي عرضها القصيبي، صورة رجلٍ يملك من المعرفة ما يجعل حضوره ممتدًا في المجالس والحوارات والقرارات.

أما مملكة الشيراوي التي وصفها غازي القصيبي، فهي مساحة تتشكل من ذكريات مشتركة، ومواقف إنسانية عميقة، ونقاشات تضيء جانبًا من طبيعة رجلٍ يمزج بين الجدية وخفة الروح، وتحتفظ بتفاصيل العمل اليومي إلى جانب أثقال القرارات التي صنعت حاضر البحرين، وقد منحها القصيبي شكلاً رمزياً يعكس أثر الشيراوي في نفوس رفاقه، حين كتب: "في أعماق روحي مملكة شاسعة... اسمها مملكة الشيراوي"، وهي عبارة تختصر تلك الرابطة التي جمعت بينهما، رابطة ارتكزت على احترام المعرفة، والقدرة على تحويل التجربة الإنسانية إلى معنى.

تكشف الوثائق التي قاربتها في هذا البحث حضورًا راسخًا لشخصية تجمع المعرفة بالقرار، وتوازن بين التخطيط الصناعي والرؤية الثقافية، وتُمسك بخيوط العمل العام كمسار ممتدّ يتطلب إدراكًا دقيقًا لاحتياجات المجتمع واتجاهات التطور، وتتتابع في هذه السيرة مشاهد تصوغ صورة رجلٍ أسهم في بناء الصناعة، ودعم الاقتصاد، وتطوير المؤسسات، حتى أصبح اسمه جزءًا من ذاكرة الدولة الحديثة.

ومع كل قراءة جديدة، تتضح ملامح تلك العلاقة الوفيّة بين القصيبي والشيراوي؛ علاقة تُشبه صداقة تُفتح دفاترها على امتداد السنين، وتُضيء عبر كلماتها طبيعة رجالٍ حملوا المسؤولية بوعي، وتعاملوا مع الحياة العامة بروح لا تفصل بين القلب والعقل، فقد كتب القصيبي إلى صديقه كلمات تحمل صدقًا نادرًا: "أضرب في أعماق هذه المملكة، وأنتزع منها طرفة ومعلومة وذكرى... وأشعر بالكثير من السعادة"، ومع هذا الوصف تتشكل صورة رجلٍ ترك أثرًا في النفوس بقدر ما تركه في الاقتصاد، واحتفظ بمكانته بين أصدقائه بما يليق بتجربة إنسان كبير.

هذه هي مملكة الشيراوي وهي تُستعاد اليوم عبر الوثائق، وعبر شهادة صديقٍ عاش معه تفاصيل العمل والبهجة والتفكير العميق، مساحة من الوفاء الإنساني، ومن العمل الذي يظل حاضراً في ذاكرة البحرين، ومن أثرٍ يواصل الإضاءة على قيمة الرجال الذين ساهموا في صياغة مسار الدولة، وتركوا خلفهم إرثاً يستمر في الوجدان كما يستمر في سجلات التنمية.