يلاحظ الجميع أن الأصابع ( اليد والقدم) ، والأنف، والإذن والقدم تبرد سريعاً في الشتاء، فلماذا ذلك. في هذا العمود أسرد الإجابة. إن الأصابع والأنف والأذنين عبارة عن أسطوانات أو نتوءات رقيقة ذات مساحة سطح كبيرة جداً مقارنة بحجمها الصغير (كتلتها)، فإذا اعتبرنا الإصبع أسطوانة والجذع أسطوانة ضخمة، نجد أن نسبة مساحة السطح في الإصبع تجعله يفقد طاقته الحرارية بمعدل أسرع بكثير من قدرة الدم على تعويضها، لذا، فبسبب علاقة مساحة السطح الكبيرة مقارنة بحجم الجسم ( الأنسجة) فهل يعني أن تدفئة الصدر والبطن ( مساحة صغيرة مقارنة بالحجم) أهم من الأصابع والقدم والأنف؟ والجواب هو جوهر الفيزياء الحيوية أو الطبية، والإجابة باختصار هي نعم ولا في نفس الوقت ، وذلك بسبب الصراع بين "كفاءة العزل" و"آليات البقاء".
إن أجسادنا تشبه "الكرة" في منطقة الجذع (البطن والصدر)، لذا تفقد الحرارة ببطء، أما الأصابع والأنف فهي تشبه "الأسطوانات النحيفة"، مما يجعل نسبة مساحة سطحها إلى حجمها عالية جداً، وهذا هو السبب الفيزيائي الدقيق وراء برودتها السريعة؛ فهي تعمل مثل "مبرد السيارة" (Radiator) الذي يشتت الحرارة بفعالية قصوى.وفيما يلي التحليل الفيزيائي لهذه النقطة بناءً على النسبة بين المساحة والحجم:
1. لماذا تُعد الأطراف (الأصابع، الأنف) "ثقوباً حرارية"؟
في الفيزياء، كلما زادت النسبة بين مساحة السطح إلى الحجم، زادت سرعة فقدان الحرارة.
الأطراف: الأصابع والأنف والأذنان لها مساحة سطح كبيرة جداً مقارنة بحجمها الصغير، وهذا يجعلها تعمل كـ "مبردات" (Radiators)؛ فهي تفقد الحرارة بمعدل أسرع بكثير من قدرة الدم على تعويضها.
الجذع (الصدر والبطن): يمتلك أقل نسبة مساحة إلى حجم في الجسم، مما يعني أنه يحتفظ بالحرارة بشكل طبيعي أفضل بكثير من الأطراف.
2. هل تدفئة الجذع أهم؟ (منظور البقاء)
نعم، من الناحية الفيزيولوجية، فإذا برد الجذع، فإن الدماغ (مركز التحكم) يتخذ قراراً "اقتصادياً" صارماً، وهو تضييق الأوعية الدموية في الأطراف (Vasoconstriction) للحفاظ على الحرارة داخل الجذع لحماية الأعضاء الحيوية.
والقاعدة هي أنه إذا كان صدرك بارداً، ستظل أطرافك باردة مهما ارتديت من قفازات، لأن الجسم ببساطة "قطع عنها إمدادات الماء الساخن" (الدم) ليحمي القلب والكبد.
3. متى تصبح تدفئة الأطراف أهم؟ (منظور الفقد الحراري)
من الناحية الفيزيائية، رغم أن الجذع هو "المفاعل"، إلا أن الأطراف هي "أماكن التسريب"، فإذا قمت بتدفئة الجذع جيداً ، وتركت قدميك وأنفك للبرد، فإن جسمك سيعاني من نزيف حراري مستمر؛فالدم يسخن في الجذع، ثم يمر عبر الأطراف فيبرد بسرعة بسبب "التوصيل" مع الهواء البارد، ويعود للقلب بارداً، مما يجبر الجسم على حرق المزيد من الطاقة لرفع درجة حرارته مجدداً.
استراتيجية التدفئة الذكية
فلتحقيق التوازن بين الفيزياء والصحة واستهلاك الطاقة، يفضل اتباع "بروتوكول العزل المتدرج"، وهو كالتالي:
1. الأولوية القصوى (العزل الثابت): حافظ على تدفئة الجذع (الصدر والظهر) بطبقات عازلة ممتازة (مثل الصوف أو لباس به قطن وهواء -المنفوش – لكون الهواء عازل ممتاز للحرارة)، وهذا يضمن استمرار تدفق الدم للأطراف.
2. الأولوية الثانية (سد الثغرات): غطِّ الرقبة واليدين والقدمين؛ فهذه المناطق تعمل كـ "جسور حرارية"؛ إذا لم تغطها، ستفقد الحرارة التي ينتجها الجذع بسرعة البرق.
3. الأنف والأذنان: هذه المناطق هي الأكثر عرضة لـ "قضمة الصقيع" فيزيائياً، وذلك بسبب ضعف تدفق الدم فيها ، ومساحتها الكبيرة للهواء، لذا تدفئتها ضرورية للصحة النسيجية أكثر من كونها ضرورية لحرارة الجسم الكلية.
ملاحظة: إن تدفئة الصدر هي التي تسمح لجسمك بالدفء، أما تدفئة الأطراف فهي التي تمنع ضياع هذا الدفء."
* استاذ الفيزياء التطبيقية بجامعة الخليج العربي