نكران الجميل سلوك رافق علاقاتنا البشرية منذ القدم، ومع تقادم الزمن لم يفقد قدرته على إيذاء النفوس، بل لربما زاد.
للأسف النكران لا يأتي من غريب، بل من شخص منحته ثقتك، وساعدته بصدق، وربما كنت أحد الأسباب في تجاوز أزماته وتحسن حياته. ثم تتفاجأ بأنه يتصرف وكأنك لم تفعل له شيئاً، أو كأن كل ما قدمته له واجب عليك!!
ما يجعل هذا الموقف مؤلماً ليس فقط غياب الامتنان، بل الشعور بالخيانة؛ فحينما نقدم يد العون، لا نبحث عن مقابل أو شكر، بل نفعل ذلك بدافع من ضمير حي، وإنسانية صادقة. ومع ذلك، تجاهل الفضل يبقى تصرفاً قاسياً يترك أثره العميق في النفس.
طيب، كيف يمكن التعامل مع هذا الموقف دون أن نخسر أنفسنا أو نندم على الخير الذي قدمناه؟! وسأجيب هنا من واقع تجارب صقلتها خبرة الحياة.
أول ما ينبغي فهمه، أن نكران المعروف لا يُقلل من قيمتك، بل يكشف شخصية الطرف الآخر.
فقد يعكس ضعفاً في الوعي، أو مشكلة في تقدير جهود الآخرين، وربما خوفاً داخلياً من الاعتراف بأنه لم يصل وحده، أو نفساً مريضة لا تظهر خارجياً إلا التجمل والتظاهر. إدراك هذه الأمور يُخفف الألم، لأنك ستفهم أن التقصير منه لا يعبّر عنك إطلاقاً.
ثانياً، لا يجب قياس قيمة أفعالنا بردّ فعل الآخرين. فالفعل الطيب يبقى طيباً، سواء قُدّر أم لا. أنت اخترت أن تساعد، لأن هذا جزء من قيمك، وليس لأنك تنتظر كلمة شكر. هذا الفهم لا يُلغي الإحساس بالخذلان، لكنه يُساعدك على الحفاظ على اتزانك الداخل، تذكر أنت «الأهم».
ثالثاً، التعامل مع ناكر جميلك لا يعني بالضرورة الاستمرار في العطاء تجاهه. من الحكمة أن تضع حدوداً، وأن تعيد النظر في طبيعة العلاقة.
ليس من الضروري القطيعة، ولكن من حقك أن تحمي نفسك من التكرار المؤلم. فالعطاء غير المنضبط قد يتحول إلى عبء يستنزفك نفسياً وعاطفياً. هنا القاعدة الذهبية «فقط أعده لخانة الغرباء».
ومع تكرار هذه المواقف، يختلف الناس في ردود أفعالهم. فهناك من يستمر في مساعدة الآخرين، لكن بحذر أكبر، وحرص على اختيار من يستحق. وهناك من يفضّل توجيه طاقته لنفسه وأسرته، بعيداً عن دور المنقذ.
كلا الخيارين مفهوم، وكل منهما نابع من تجارب شكلت صاحبها. الأهم، هو ألّا تسمح لنكران الجميل أن يُطفئ فيك روح الخير.
لا تدع بعض التجارب السيئة تغير نظرتك إلى العالم بأسره. صحيح أنها تؤثر فينا، لكنها تصقلنا وتجعلنا أكثر نضجاً ووعياً، لا أكثر قسوة.
التعامل مع ناكري الجميل يتطلب توازناً دقيقاً، لابد أن تتمسك بمبادئك دون أن تفتح الباب للأذى، وأن تفعل الخير لأنك مقتنع به، لا انتظاراً لرد الفعل. ضع حدودك بوعي، واختر من تستحق الوقوف إلى جانبه، وكن دائماً راضياً عن نفسك، فهذا هو الأهم.