ليست كل معركة تستحق أن تُخاض، ولا كل جدال يستحق أن يُستكمل حتى نهايته. بعض المواجهات خاسرة منذ بدايتها؛ لا لعجزك عن الانتصار فيها، بل لأن كلفة هذا الانتصار أكبر من جدواه.
الإنسان يبلغ مرحلة متقدمة من النضج تجعله يفكر ملياً قبل الكلام والرد، وقبل الدخول في أي صدام فكري أو لفظي، مدركاً أن الطاقة التي تُهدر في معارك عبثية لا تعود عليه إلا بالتعب، ولا تضيف إلى رصيده شيئاً يُذكر.
في بدايات العمر، يظن الإنسان أن كل صمت ضعف، وأن كل تراجع خسارة، وأن إثبات الرأي ضرورة حتمية. لكن التجربة تعلّمه تدريجياً أن بعض المعارك، حتى لو ربحتها بالحجة والمنطق والبلاغة، فإنك تخسر نفسك فيها، أعصابك، وقتك، هدوءك، وتركيزك على ما هو أهم. الانتصار هنا لا يكون غنيمة، بل عبئاً إضافياً.
أتذكر أحدهم حاول مجادلتي ذات مرة في مجلس، فابتسمت وسكت. تركته يتكلم حتى بدا وكأنه منتصر في معركة وهمية. أحد أصدقائي استغرب وسألني لاحقاً: لماذا سكتَّ رغم قدرتك على إفحامه بالحجة والمنطق؟!
أجبته مبتسما: كنت أستطيع إسكاته بل إحراجه، لكنني تذكرت شعاراً صرت أطبقه منذ سنوات ”ما جادلتُ أحمقاً إلا غلبني“. ليس لأنه أقوى، بل لأن النزول إلى مستواه معناه خسارة موقعي، ودخول ملعب لا تُحتسب فيه النقاط بالعقل، بل بالصوت العالي والمكابرة.
الفكرة هنا ليست أن كل جدال عقيم، ولا أن الاختلاف مرفوض. على العكس، هناك من يملك عقلاً راجحاً وفكراً محترماً، ويستحق أن تُناقشه حتى لو خالفك الرأي.
الحوار مع هذا النوع من الناس يثريك، ويجعلك تعيد النظر في أفكارك، وربما تتراجع أو تعدّل موقفك دون شعور بالهزيمة.
لكنني أتحدث عن نوع آخر، أولئك الذين يظنون أن منصباً مؤقتاً، أو موقعاً عابراً، أو حظوة في مجلس ما، تمنحهم حصانة فكرية، وتجعل كلامهم نصاً لا يقبل المراجعة ولا النقاش.
مع هذه الفئة تحديداً، لا قيمة للكلمات، ولا وزن للحجة، ولا اعتبار للخبرة. كل ما تقوله يُفسَّر باعتباره تحدياً شخصياً، وكل اختلاف يُصنَّف على أنه عداء. هنا يتحول الحوار إلى استنزاف، لا إلى نقاش، وإلى نزيف وقت لا إلى تبادل أفكار. والحل الأمثل في هذه الحالة ”سلاماً، ومع السلامة“. هنا أنت تمضي في طريقك مرتاحاً؛ لأنك أدركت أن السكوت ليس عجزاً، بل اختيار واعٍ.
كلما كبر الإنسان، ومرّ بجملة من التجارب المتباينة، تتغير طريقة تفكيره. عقله لن يكون مجرد مخزن للمعلومات، بل بيت خبرة يفرز الحكمة، ويزن ردود الفعل، ويضبط الانفعالات.
يقلّ اندفاعه، ويخفّ حماسه البطولي، وظنه أن العالم يتغير بالصراخ والمواجهة. يدرك أن بعض الضجيج لا يتجاوز أثره أثر الألعاب النارية، تلمع في السماء لثوانٍ، تُحدث ضوضاء، ينبهر بها الناس لحظة، ثم تختفي وكأن شيئاً لم يكن.
المعارك الخاسرة لا تُقاس بنتيجتها الظاهرية، بل بما تتركه في داخلك. إذا خرجت منها منهكاً، مشوشاً، غاضباً، فقد خسرت حتى لو ظن الآخرون أنك انتصرت. أما حين تختار الصمت في موضعه، وتتجاوز الجدال في وقته، فأنت لا تنسحب، بل تتقدّم خطوة في طريق النضج.
ليست الحكمة في أن تنتصر في كل مواجهة، بل أن تعرف أي مواجهة تستحق أن تخوضها، وأيها أولى أن تبتسم لها وتمضي. بعض المعارك تُربح بالكلام، وبعضها يُربح بالصمت، لكن أخطرها تلك التي نخسر فيها أنفسنا ونحن نظن أننا ننتصر.