العنوان الذي قرأته الآن ليس عبارة إنشائية، كما أنه ليس محاولة لتجميل أزمة واضحة في أكثر الأماكن في العالم، بل هو توصيف دقيق لمشكلة يقلقنا الاعتراف بها، فالنظام التعليمي الذي يمارس اليوم في أغلب دول العالم صُمّم في الأساس لإنسان كان تركيزه أطول، ومساره أوضح، ومعرفته محدودة المصادر، والتعليم شكّل له بوابة شبه وحيدة للارتقاء الاجتماعي والاستقرار المهني، أما الإنسان الذي يجلس اليوم في المدرسة أو في قاعات ومختبرات الجامعة، فهو كائن مختلف تماماً، يعيش في فائض معلوماتي لا يحتاج فيه إلى من يخبره بالمعلومة بقدر ما يحتاج إلى من يساعده على فهمها، يشك أكثر مما يسلّم، ويتعامل مع مستقبل غير مضمون، ويقيس قيمة ما يتعلمه بمدى معناه لا بعدد صفحاته، بل الأكثر من ذلك هو غير مستعد للجلوس في قاعة يتحدث فيها الأستاذ وهو يستمع لأكثر من خمس عشرة دقيقة والتجربة الشخصية تشير إلى أقل من ذلك.
لكن مع ذلك مازلنا نخاطبه بلغة قديمة، ونطالبه بأن يتفاعل مع نظام لم يُصمّم له، ثم نتعجب من انسحابه، وملله، وضعف ارتباطه بالتعليم، وفي الواقع المشكلة ليست في أن الطالب تغيّر فالتغيير سنة كونية، إنما المشكلة تكمن في أننا نصرّ على مخاطبته كما لو أنه لم يتغير، لذلك علينا أولاً ألا نحمّل الطالب وحده مسؤولية الفجوة، أو اختزال الأزمة في مناهج تحتاج إلى تحديث شكلي، فالمسألة أعمق من ذلك، لأنها تمسّ الصورة الذهنية التي نحملها عن المدرس وأستاذ الجامعة، بالإضافة إلى التقييمات، والطالب نفسه، فالمدرس سواء في المدرسة أو الجامعة، يجب أن يعاد تعريفه فمن غير الممكن أن يبقى في دور مزوّد المعلومات، لأن المعلومات متاحة بضغطة زر، وبصورة أكثر تنوعاً وحداثة مما يقدمه الصف، دوره الحقيقي اليوم هو أن يكون موجّهاً ومنظماً للفوضى المعرفية، ومساعداً للطالب على الربط، والنقد، والتمييز بين المهم والعابر، هذا التحول يعيد للمدرس قيمته الحقيقية، لكن لا يمكن لهذا الدور أن يتحقق مع بقاء تقييمات مازالت تكافئ الحفظ السريع، وتعاقب على الخطأ، وتبحث عن إجابة نموذجية واحدة في عالم لم يعد يؤمن بالإجابات الجاهزة. التقييم في صورته الحالية غالباً يقيس ما يسهل تصحيحه لا ما يستحق أن يُقاس، ويحوّل التعلم إلى سباق درجات بدل أن يكون تجربة فهم. مطلوب منا أيضاً إعادة تعريف الطالب، فالطالب لم يعد متلقياً سلبياً كما كان، بل هو شريك في عملية التعلم، طالب اليوم ليس أقل ذكاءً من أجيال سابقة، لكنه أقل اقتناعاً بتعليم يطلب منه الامتثال أكثر مما يطلب منه الفهم.
عندما يُخاطَب الإنسان الخطأ، تكون النتيجة تعليماً شكلياً، وشهادات لا تصنع ثقة، ومعارف تُكتسب خارج الصف أكثر مما تُكتسب داخله. الحل لا يكمن في هدم التعليم ولا في شيطنة المعلمين، بل في إعادة ترجمة التعليم للإنسان الذي أمامنا الآن، لا للإنسان الذي اعتدنا عليه في ذاكرتنا، تعليم يعيد تعريف دور المعلم كموجّه، والتقييم كأداة فهم لا عقاب، والطالب كعقل ناقد لا متلقٍّ صامت، هو تعليم يُعدّ الخريج للحياة لا فقط للاختبار، وأول ما يجب أن يتغير ليس المناهج وحدها، بل اللغة التي نخاطب بها الطالب، لأن الاستمرار في مخاطبة إنسان لم يعد موجوداً هو أقصر طريق لإنتاج تعليم يبدو قائماً لكنه في الحقيقة يتحدث إلى فراغ.
* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية