في الذكرى الثامنة والخمسين لتأسيس قوة دفاع البحرين، لا تعود الذاكرة إلى نقطة البدء فحسب، بل تتأمل المسار بأكمله؛ مسارٌ وُلد من الحاجة إلى حماية الوطن، ونما بالرؤية، واستوى اليوم صرحاً دفاعياً حديثاً متطوراً يضاهي الجيوش المتقدمة، هذه الحقيقة جاءت على لسان من عايش المراحل كلها، وشهد التحولات خطوةً خطوة، حين أكد حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله ورعاه، أن قوة الدفاع تجاوزت منذ زمن مرحلة التأسيس، وانتقلت إلى فضاء التحديث والتقدم.
الزيارة الملكية السامية للقيادة العامة لقوة دفاع البحرين جاءت محمّلة بدلالات عميقة، أبرزها أن الأمن في البحرين لم يكن يوماً خياراً منفصلاً عن التنمية، بل كان دائماً شرطها الأول، فالدولة التي تنشد الاستقرار لا بد أن تبني قوة عسكرية راسخة، قائمة على الولاء والانضباط والاحتراف، وقادرة على مواكبة ما يشهده العالم من تطور متسارع في العلوم العسكرية وأساليب الدفاع.
وقد انعكس هذا النهج في مسار قوة دفاع البحرين، التي اتجهت بوعي إلى التحديث المستدام، من خلال التدريب المتقدم، والابتعاث النوعي، وتكامل الأدوار بين الدفاع والأمن والتنمية، هذا التكامل لم يعزز جاهزيتها العسكرية فحسب، بل رسّخ ثقة المواطن بها، ومنحها احترام الأشقاء، وتقدير الأصدقاء، وكرّس صورتها كقوة تحمي ولا تُهدد، وتردع دون أن تنزلق إلى المغامرة، وتستعد للحرب وهي تعمل من أجل السلام.
ما يلفت الانتباه في الخطاب الملكي هو تركيزه على الإنسان قبل العتاد، وعلى العقيدة قبل المنظومة، فالقوة، كما عكسها جلالته، ليست في السلاح وحده، وإنما في الرجال المؤمنين بوطنهم، المؤهلين علمياً وعملياً، القادرين على تحمّل المسؤولية، وصون السيادة، وحماية المنجزات الحضارية لمملكة البحرين.
وفي هذا السياق، جاءت رسالة الشكر الجوابية التي بعثها جلالته إلى صاحب المعالي المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، القائد العام لقوة دفاع البحرين، معبّرة عن روح المؤسسة العسكرية البحرينية، التي ترى في التوجيهات الملكية وساماً على الصدور، ومناراً يهدي مسيرتها، رسالة حملت وفاءً صادقاً للقيادة، وإدراكاً عميقاً لحجم المسؤولية، وتعهداً واضحاً بالبقاء على أعلى درجات الجاهزية واليقظة.
ومن منظور مستقبلي، فإن أهمية هذه المناسبة لا تكمن في الاحتفاء بالماضي وحده، بل في ما تطرحه من أسئلة استراتيجية حول قدرة القوة العسكرية على مواكبة تحولات عالم تتداخل فيه التكنولوجيا المتقدمة، والفضاء السيبراني، والذكاء الاصطناعي مع المفهوم التقليدي للقوة، والتجربة البحرينية توحي بأن الإجابة تكمن في القيادة الحكيمة، وفي الاستثمار المستمر في الإنسان، وفي وضوح العقيدة العسكرية التي تضع البحرين وأمنها فوق كل اعتبار.
لقد استطاعت قوة دفاع البحرين أن تحقق توازناً لافتاً بين دورها الدفاعي الصارم، وإسهامها الحضاري والإنساني، سواء عبر دعم المسيرة التنموية، أو المشاركة في جهود حفظ الأمن والسلم الدوليين، أو من خلال حضورها في مجالات متعددة رفعت اسم البحرين عالياً في المحافل الإقليمية والدولية.
ومع دخولها عاماً جديداً من مسيرتها، تبدو قوة دفاع البحرين أكثر نضجاً في التجربة، وأكثر وعياً بتحديات المستقبل، لكنها في الوقت ذاته أكثر ثباتاً على مبادئها، قوة تعرف أن الاستقرار لا يُصان إلا بالجاهزية، وأن التنمية لا تستمر دون أمن، وأن الإنسان البحريني سيبقى، كما كان دائماً، حجر الأساس في بناء الدولة وحماية الوطن.* إعلامية وباحثة أكاديمية