يشهد المجتمع العربي خلال السنوات الأخيرة ارتفاعاً ملحوظاً في سنّ الزواج لدى الشباب، في تحول اجتماعي لافت بعدما كان الزواج المبكر سمة شائعة في الماضي. هذه الظاهرة، التي لم تعد حالات فردية، بل باتت واقعاً يفرض نفسه، ويثير نقاشاً واسعاً حول أسبابها وتداعياتها على التوازن الاجتماعي.
ويرجع البعض أسباب تأخر سن الزواج بالدرجة الأولى إلى العامل الاقتصادي، حيث يواجه عدد كبير من الشباب صعوبات في الالتحاق بسوق العمل، إضافة إلى ضعف الأجور وارتفاع تكاليف المعيشة، خاصة ما يتعلق بالسكن ومتطلبات تأسيس أسرة. هذه الظروف جعلت الزواج حلماً مؤجلاً لدى فئة واسعة من الشباب.
إلى جانب ذلك، ساهمت الضغوط الاجتماعية في تعقيد المشهد، إذ ارتفعت متطلبات الزواج بشكل ملحوظ، من المهور إلى حفلات الزفاف ونمط العيش، حيث إلحاق الأبناء منذ الطفولة لمدارس وروضات أجنبية خاصة، والاعتماد على المستشفيات الخاصة بدلاً من المستشفيات الحكومية، مما زاد من الأعباء المادية، وحول الزواج في نظر البعض إلى مشروع مرهق بدل كونه استقراراً أسرياً.
كما لعب التعليم والطموح المهني دوراً أساسياً في هذا التأخر، حيث يفضّل العديد من الشباب استكمال دراستهم الجامعية وبناء مسار مهني مستقر قبل التفكير في الزواج، خاصة في ظل المنافسة القوية على فرص العمل.
من الناحية النفسية والثقافية، يشير متابعون إلى أن ارتفاع نسب الطلاق ساهم في خلق حالة من التخوف لدى الشباب من فشل التجربة الزوجية، فضلاً عن التأثير المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي التي تقدم صورة مثالية للحياة الزوجية، بعيدة عن واقع التحديات اليومية.ورغم ما تحمله هذه الظاهرة من إشكالات، يرى البعض أن تأخر سن الزواج ليس سلبياً دائماً، إذ قد يعكس نضجاً أكبر واستعداداً نفسياً ومسؤولية أوعى لبناء أسرة مستقرة. إلا أن الإشكال الحقيقي يظهر عندما يتحول هذا التأخر إلى خيار مفروض بسبب الظروف الاقتصادية والاجتماعية.
وفي ظل هذا التغيير الاجتماعي أرى ضرورة تبني مقاربة شاملة لمعالجة الظاهرة، تقوم على دعم الشباب اقتصادياً، وتشجيع ثقافة التيسير في الزواج، وإعادة الاعتبار لقيم الشراكة والتفاهم، باعتبارها أساساً لبناء أسر متماسكة ومجتمع متوازن، وعموماً فإن تأخر سن الزواج تحول لثقافة شائعة بين الكثير من الشباب، ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه ما هو سن الزواج الأمثل؟
ودمتم سالمين.