- عندما تتراكم عليك الأعمال أحياناً، تشعر بأنك ربما تتأخر في إنجاز بعضها، أو أنك مقصّر، أو أن الظروف لم تسرِ معك بالصورة المطلوبة، أو أن نفسك قد تكاسلت عن إتمامها. وفي جميع الأحوال، إذا تأملنا تلك الأعمال -والتي غالباً ما تكون أعمال خير لأولئك المحسنين الذين سخروا حياتهم لمرضاة الله تعالى، وجعلوا أعمالهم خالصة لوجهه الكريم- أدركنا أنه ليس من المستساغ أن نُكثر من لوم أنفسنا في مثل هذه الأمور؛ فاللوم المفرط يُتعب النفس، وربما يدفعها إلى التقاعس عن أعمال الخير بالكلية. المرجو في كل ذلك: إذا أردت أن تكتب أثراً جميلاً في مسير أيامك، فلا تُسوّف في إنجاز أعمالك، وكن منظماً في تنفيذها، فإذا حانت لحظة الإنجاز فأنجز ولا تؤجل. وإن تواصل معك أحد لتحديد موعد قادم، فدوّنه في قائمتك؛ فإنما ذلك هو الأثر بعينه.
- كثيراً ما نكتب عن «سرعة الأيام»، وبخاصة في شهر رمضان، ونحن نعلم أنها بالفعل سريعة، بل هي أيام معدودات، لقوله سبحانه وتعالى: (أياماً معدودات)، في إشارة إلى قلّتها وسهولة أدائها وسرعة انقضائها. فهي أيام قليلة محددة، ينبغي للمسلم ألا يتساهل فيها، ولا يقصّر في أداء حقها، وأن يجعلها مضمارًا للخير، وتطهيرًا للنفس من أدران الحياة ونزغات الشياطين.
وعندما نتحدث عن سرعتها، يجدر بنا أن نتيقن أننا فيها ضيوف، كما نحن في الدنيا ضيوف، وأن نعطيها حقها بالعبادة والقرب من المولى الكريم، وأن نجدد فيها إيماننا، ونقوّيه بما نقوم به من قربات وطاعات. إنها حقاً أيام معدودات، فطوبى لمن أحسن استثمارها، وأطاع مولاه وابتغى رضاه.
- بعض المتذمرين من أعمالهم لا يشعرون بالنعمة التي هم فيها إلا إذا جرّبوا أعمالاً أخرى شاقة، تتطلب جهدًا وتركيزاً ولساعات طويلة. وقد لفت نظري ما عُرض في إحدى حلقات صانع المحتوى عمر فاروق على قناة البحرين الفضائية خلال الأيام الماضية، والتي صوّرها في جمهورية مصر العربية، حيث استعرض مجموعة من الشباب الصغار يعملون في مهنة نقل الخبز على رؤوسهم أو فوق الدراجات، وينقلونه باحترافية من مكان إلى آخر. وقد أمضى بعضهم ما يقارب عشر سنوات في المهنة نفسها، بأجر لا يتجاوز سبعة دولارات يومياً! اللافت أنهم يعملون والابتسامة تعلو وجوههم، سعداء بما يقومون به، سعياً وراء لقمة العيش. وفي المقابل، نرى ما يتنعم به كثير من الموظفين من بيئات مريحة ومزايا متعددة، ومع ذلك تنتشر في بعض بيئات العمل أمراض التذمر، والشكوى، وتصيّد الأخطاء، ونقل الكلام، مما يؤثر في جودة العمل وإنتاجية المجدين والمبدعين.
نحن بحاجة إلى أن نقدّر النعمة التي أنعم الله بها علينا، وأن نحمده ونشكره على ما أعطى ووهب ورزق؛ فإن أرزاق الله تدوم وتزداد بحمده وشكره والقرب منه، واليقين بأن القادم أجمل بإذن الله تعالى.
- في إحدى حلقات برنامج قلبي اطمأن، التقى غيث الإماراتي بأحد المواطنين من أوغندا يُدعى «غيثان». كان يعمل عملاً بسيطاً، وقد هاجر من أجل إعالة أسرته بعد وفاة والده، وهو خريج «علاقات دولية ودبلوماسية». سأله: هل العمل جيد؟ فأجاب: «على ما يرام، والحمد لله، ونقول: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، وأشكر الله كل يوم». وسأله: بمَ تدعو؟ فقال: «أدعو الله أن يزيدني علماً وطمأنينة وراحة بال وعافية”. وكان أمله أن يعمل في التجارة، من أجل أن يفعل الخيرات، ويساعد الآخرين. استوقفني هذا الموقف؛ فقد كتب هذا الشاب البسيط أثراً عميقاً في حياته وفي نفوسنا. خريج جامعي هاجر طلباً للرزق، ومع ذلك كان دعاؤه: العلم، والطمأنينة، وراحة البال، والعافية، وأن يصبح تاجراً ليصنع الخير. سبحان الله! بمثل هذه المواقف، وبهذه النفوس البسيطة، تُسطَّر أجمل معاني الأثر في الحياة، وتُقدَّم دروس تربوية لنفوسنا المقصّرة. فعندما تطمئن النفس، وتطلب العلم وراحة البال والعافية، فإنها تعيش سلامها الداخلي، وتحيا عيشة طيبة، تراقب فيها المولى الكريم وتبتغي رضاه.
- هناك من يمد يده إليك ليواصل معك مسيرة الخير والعطاء وكتابة سطور الأثر الجميل في الحياة، وهناك من يتوقف عند مصالحه الخاصة. الأول قد يقصّر أحياناً، لكنه يعود إلى أصله وثوابته وقيمه التي تربى عليها. أما الثاني، فثمة رسالة ربانية تصلك لتخبرك أن تضع حدًا أمامه، وألا تواصل السير معه، حفاظًا على سلامك النفسي، وتحقيقاً لأهدافك التي عشت من أجلها، وحتى تمضي في مسير الخير، منجزاً، غير متأثر ببعض الإحباطات البشرية وتقلبات النفوس. وكما يقال: «الأصيل أصيل»، لا تغيّره الأيام، يعاملك باحترام، ويقدّر لقمة العيش التي تقاسمها معك، ويقدّر أيام الأثر الجميل التي لا تُنسى. أما أولئك الذين يتغيرون مع مصالح الحياة، ولا يعودون إلا في الملمات، فهم -لعمري- رسالة ناقصة المعنى، لا ينبغي أن تمنحها من الاهتمام ما يؤخرك عن الالتحاق بمنظومة الأثر الجميل.
ومضة أملصحيح أنك قد تتأخر قليلاً، لكن لا تستسلم للظروف. فما دمت تتنفس أنفاس الحياة، فأنت في خير وعلى خير. فامضِ في طريق الإحسان، ونفّذ رسائلك الحياتية، حتى تأوي إلى سريرك وقد حققت إنجاز المحسنين بإذن المولى الكريم.