مشكلات الإدارة في جوهرها ليست ناتجة عن نقص في اللوائح أو القوانين، ولا يمكن إرجاعها دوماً إلى ضعف المتابعة أو قصور التشريعات؛ إذ كثير من المؤسسات تملك أنظمة عمل دقيقة، وهياكل تنظيمية واضحة، وآليات متابعة صارمة، ومع ذلك تستمر الانتهاكات، وتُهدَر الحقوق، ويُقدَّم غير المؤهل، بينما يُستبعد صاحب الكفاءة.
هذا التناقض يكشف أن الخلل لا يكمن في الورق، بل في لحظة اتخاذ القرار، حين يغيب «الضمير»، ويتراجع أمام المصالح أو الضغوط.
في بيئة العمل، لا تُختبر القيم في المواقف الواضحة، بل في تلك المساحات «الرمادية“ التي لا تُفسّر فيها القوانين كل شيء. هناك، يتحدد القرار بناءً على وعي المسؤول وأمانته، وليس فقط على قدرته على تبرير ما يفعل.
كثير من الممارسات الظالمة لا تحدث بتجاوز صريح، بل تمرّ تحت غطاء «الإجراءات السليمة“، وتُغلف بالصياغة الرسمية، بينما تفتقر إلى العدل والمسؤولية.
«الضمير المهني“ أداة رقابة ذاتية، وجزء أصيل من أي حوكمة نزيهة. النظام دون ضمير قد يُستغل ضد الأضعف، ويُعطَّل لصالح الأقوى، والضمير دون إطار نظامي يصبح اجتهاداً فردياً لا يُضبط. التوازن بينهما يتحقق حين يُطبَّق القانون بروح الإنصاف، وتُمارَس السلطة كأمانة لا كامتياز.
من أبرز التحديات في البيئات الإدارية أن تقييم الأداء غالباً ما يُركّز على النتائج فقط، متجاهلاً الطريقة التي تم بها تحقيقها.
فيُكافَأ من يحقق الأرقام، حتى إن كانت الوسائل غير سوية، بينما يُهمل من يتمسك بالنزاهة لأنه لم يحقق مؤشرات الأداء المطلوبة. هنا تصبح القيم عبئاً، ويُنظر إلى الضمير كعائق في طريق «الإنجاز“، مما يُشوّه معايير العدالة داخل المؤسسة.
حين يُعطى النفوذ لمن لا يستحق، لا يقتصر الأثر السلبي على الأفراد، بل ينعكس على بيئة العمل بأكملها.
تتراجع العدالة، تُفقد الحماسة، وتغادر الكفاءات الصادقة، لينشأ مناخ يرسّخ فكرة أن الالتزام لا يكفي، وأن الجدارة وحدها لا تضمن التقدم. وفي ظل هذا الوضع، تبقى المؤسسات قائمة شكلياً، لكنها تفقد جوهرها وقدرتها على التطور والاستمرار.
غياب الضمير يُطلق سلسلة من الانحرافات التي تتوسع وتترسخ بمرور الوقت، بدءاً من تصرف صغير يتم تبريره، إلى عادات تصبح ثقافة مؤسسية يصعب تفكيكها.
لذلك، فإن إحياء الضمير ضرورة لتحقيق بيئة عمل عادلة ومنتجة.
نحن نحتاج إلى حضور داخلي للضمير في كل لحظة قرار. ضمير يدرك أن كل توقيع مسؤولية، وكل صلاحية اختبار، وأن الظلم وإن لم يُكتشف يترك أثراً لا يُمحى، للأفراد والمجتمع.
الإدارة بلا ضمير قد يستمر صاحبها مؤقتاً، لكنها لا تدوم، لأن الظلم لا يقبله أعدل الملوك، والتغيير بمجرد قوله «كن فيكون“، فحكموا ضمائركم لأجل البشر ولأجل الوطن.