منذ أيامٍ تحدثتُ مع صاحبي القريب إلى القلب عن ذكرياتٍ رمضانيةٍ مرّت، وكيف مرَّ علينا رمضان تلو رمضان، وسنواتٌ مضت من أعمارنا ونحن نترقّب مستقبل الأيام، ونحن على يقينٍ برحيلٍ محتومٍ عن دنيا البشر. تحدثتُ معه عن الحنين إلى أيامٍ رمضانيةٍ جميلة، نشتاق إلى أجورها وبركتها وجمالها، وإلى ليلة القدر عظيمةِ القدرِ والأجر، التي تتغير بعدها موازين العباد المخلصين وأقدارهم وأعمارهم.
قلتُ له: إننا مقبلون على شهر "روح الروح"، شهر العبادة والغفران والقرآن، شهر التزكية، شهر الصفاء والنقاء. إنها مدرسةٌ إيمانية، وواحةُ خيرٍ لا تتكرر إلا في شهرٍ واحد، خيرِ الشهور. أخبرته أن الموعد قد حان، وأن النفس لا تشبع من أيامٍ رمضانيةٍ جميلةٍ نعشق أجواءها، وأن الأيادي ترتفع وتبتهل إلى المولى الكريم أن يبلغها أيام هذا الشهر كاملةً بلا نقصان، وأن يبلغها صيام رمضان وقيامه، وقيام ليلة القدر إيماناً واحتساباً.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه". وقال: "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه". وقال: "ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه". قلتُ له: ليس المعنى اليوم أن نعيد ما تعلمناه من أحاديث، ولكن المعنى أن نجدد المشاعر والأحاسيس، وأن نجدد الحنين إلى أجمل الأيام التي نعلم أنها ستُطوى طيَّ الكتب بسرعةٍ بالغة، ولن تمهلنا كثيراً.
يا صاحبي العزيز.. ظروف الأيام كثيرة، وأحوالها مخيفة. في كل يومٍ صفحاتٌ من الرحيل لأصحابٍ وجيرانٍ ومعارف، وفي كل يومٍ مصادماتٌ ومشاحناتٌ بين البشر في أعمالهم، وفي بيوتهم، وفي صولاتهم وجولاتهم. هم يعلمون، ولكنهم لا يريدون أن يتفهموا طبيعة المرحلة التي يعيشونها، لذا فأغلب أوقاتهم تضيع سدىً في المصادمات والجدال. يقول صلى الله عليه وسلم: "أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً". فما زالت أيامنا مليئةً بالمهاترات، والغيبة، والنميمة، وحبِّ الشهرة، وحبِّ المال. يا صاحبي، رمضان مدرسةُ تنقية، وتربيةٌ لنفوسنا وتزكيةٌ لقلوبنا: "ونفسٍ وما سوّاها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكّاها * وقد خاب من دسّاها".
عندما تطأ أقدامنا أيامَ رمضان، لا بد أن نتحرر من كل تلك السلبيات المقيتة، ومن تلك الأمراض التي يعيشها البعض، وربما يتنافس مع أقرانه ليكون في المقدمة الدنيوية، فتراه لا يتكلم إلا عن الدنيا والمال، ولا يسأل إلا عن: كم من المال سأحصل من وراء هذا العمل؟ في حين أن عمله إنسانيٌّ بحت، عملُ خيرٍ وتطوعٍ وإحسان. من هنا، فإن أول ما يجب أن نطهر منه أنفسنا وقلوبنا هو الغفلة والغواية الشيطانية، أي الإخلاص في العمل. يقول الله تعالى: "قل إني أُمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين * وأُمرت لأن أكون أول المسلمين". وقال تعالى: "وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء".
من القلب تنطلق الأعمال، وتنطلق همم العطاء والعبادة، ورمضان يحتاج إلى أولئك المخلصين في مسير الحياة، الذين بذلوا أوقاتهم وأعمارهم من أجل أن يقدموا رسائل الحياة الجميلة. رمضان مدرسةٌ للسالكين دروبهم إلى الله تعالى، الذين يترقبون أيامه ولياليه ليذرفوا الدمع على ما فات من التقصير، وعلى أحوال الحياة، وأحوال الآخرة، وأحوال ما بعد فراق الدنيا.
يا صاحبي في المسير.. الحكاية أن تستمر كما أنت، بإخلاصك وإحسانك ورسائلك الحياتية. وإن أحسست أحيانًا ببعض العراقيل والإحباطات التي تسببها لك بعض النفوس المريضة، التي همُّها الوصول إلى مبتغياتها الدنيوية وانتصار نفوسها، فلا يزعجك ذلك، ولا يضعفك عن المسير إلى الله، ولا يدفعك إلى التوقف عن العطاء والإحسان الذي اعتدته في حياتك. فرسائلك الحياتية هي رسائل أثرٍ وعطاءٍ من أجل الآخرة، ومن أجل أن تترك بصماتك المؤثرة صدقةً جاريةً لك، ومن أجل أن تسطر في صحائف الأعمال ما يرضي الملك الديّان.
من هنا يا صاحبي العزيز، ستدرك أنك بالفعل تعيش مشاعر أيامٍ رمضانيةٍ جميلة، تستفيد من كل لحظةٍ من لحظاتها، وتستشعر بإيمانك وعمق يقينك بالله عز وجل ومعيته أن محطة رمضان عمرٌ إيمانيٌّ آخر يُضاف إلى عمرك، وتوفيقٌ من المولى الكريم أن بلغك أيامه. فلا تفتر عن الدعاء أن يبلغك تمامه، وأنت في صحةٍ وعافيةٍ وسعةِ رزق، وفي قوةٍ من الحضور الذهني في كل عباداتك في هذا الشهر الكريم.
ورد في الحديث قصة الرجلين اللذين كان أحدهما أشد اجتهاداً من الآخر؛ فغزا المجتهد منهما فاستُشهد، ثم مكث الآخر بعده سنةً ثم تُوفي. قال طلحة: «فرأيتُ في المنام بينا أنا عند باب الجنة إذا أنا بهما، فخرج خارجٌ من الجنة، فأذن للذي تُوفي الآخر منهما، ثم خرج فأذن للذي استُشهد، ثم رجع إليّ فقال: ارجع فإنك لم يأنِ لك بعد". فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله، هذا كان أشدَّ الرجلين اجتهاداً ثم استُشهد، ودخل هذا الآخر الجنة قبله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "أليس قد مكث هذا بعده سنة؟" قالوا: بلى. قال: "وأدرك رمضان فصام وصلى كذا وكذا من سجدةٍ في السنة؟". قالوا: بلى. قال عليه الصلاة والسلام: "فما بينهما أبعدُ مما بين السماء والأرض".
ومضة أمل
اللهم اجعلنا ممن طال عمره وحسن عمله، اللهم بلغنا رمضان وأعنا على صيامه وقيامه، وبارك لنا فيه، نحن وأزواجنا وذرياتنا وأهلينا وأحبابنا ومحبينا، وارزقنا صحةً وعافيةً وسعةَ رزق.