د. توفيق السباعي
غداً السبت 14 فبراير تحتفل مملكة البحرين بالذكرى الخامسة والعشرين لإقرار ميثاق العمل الوطني، مستذكرةً أحد أهم منجزاتها الوطنية الحديثة. شكّل هذا الحدث، الذي بادر به حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، نقطة تحول وانطلاق لمسيرة النهضة والتطور في مختلف مجالات الحياة.
نعم، إنها مناسبة وطنية لا تُستعاد بالذاكرة فقط، بل تُستعاد بالشعور كما لو أنّها حدثت بالأمس. ففي يوم 14 فبراير 2001 كنتُ شاهداً على تلك اللحظة التاريخية؛ لأرى على الوجوه ملامح وطنٍ يكتب عهده الجديد بثقة واعتزاز؛ ابتساماتٌ صادقة، عيونٌ تلمع بالانتماء، وملامحُ الهوية الوطنية تتقدّم المشهد قبل الكلمات، وقلوبٌ تنطق قبل الألسنة بـ«نعم» للبحرين. يومها جاء التصويت بنسبة 98.4% لصالح ميثاق العمل الوطني في مشهدٍ لا يُشبهه مشهد؛ إجماعٌ جسّد معنى الولاء ووحدة الصف، وأعلن بدء مرحلة جديدة من التحديث والإصلاح. منذ تلك اللحظة صار الميثاق عنوانًا لتلاحم الإرادة الشعبية مع الإرادة الملكية، ورسالة واضحة بأن أبناء البحرين لا يختلفون على مستقبل وطنهم، بل يتقدمون إليه معًا بروحٍ واحدة وعزمٍ واحد نحو بحرینٍ أكثر إشراقاً وازدهاراً.
لقد وضعت مبادئ الميثاق أسس مشروع النهضة الشاملة في البلاد، فكان منصة الانطلاق لبناء نهضة البحرين الحديثة. اختار الشعب نهج المشاركة الديمقراطية لتحقيق التنمية والازدهار بما ينسجم مع تاريخ المملكة وأصالتها وتطلعات أبنائه لحياة أفضل. مثّل الميثاق ركيزة لعقد اجتماعي جديد رسّخ خصوصية البحرين الحضارية وأكّد وحدة الوطن أرضاً وشعباً. كما فتح الميثاق الآفاق أمام المواطنين للمشاركة في نهضة الوطن، وعزّز دور مؤسسات الدولة، وكرّس سيادة القانون والفصل بين السلطات، وثبّت قيم التلاحم المجتمعي والاستقرار والتعايش.
على الصعيد الاقتصادي، أرسى الميثاق أسس نظام قائم على الانفتاح والتنمية المرتكزة على المواطن. حيث واصلت الحكومة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، تنفيذ هذا النهج بفاعلية عبر سياسات تنويع الاقتصاد والاستثمار في المواطن، إلى جانب تعزيز الحرية الاقتصادية. وأسهم ذلك في ارتقاء البحرين تنموياً وجعلها بيئة جاذبة للاستثمار.
بفضل الميثاق أيضاً انطلقت مسيرة تنموية شاملة حققت فيها البحرين مراكز متقدمة في مؤشرات التنمية البشرية إقليميًا ودولياً، لاسيما في مجالات الصحة والتعليم والإسكان والتحوّل الرقمي. وامتدت الإنجازات لتشمل جميع ميادين العمل الوطني، مع اهتمام خاص بالشباب والقطاعين الثقافي والإعلامي. وقد تحققت تلك النجاحات بدفع من إرادة ملكية طموحة لمواصلة مسيرة البناء والتقدم بروح لا تعرف إلا الإنجاز.
شكّل الميثاق كذلك محطة مهمة في نهوض المرأة البحرينية، إذ تضمّن نصوصاً أُدرجت في الدستور منحت المرأة حقوق المشاركة السياسية وتكافؤ الفرص وتولي المناصب القيادية. وتضاعف حضور المرأة في السلطة التشريعية خلال العقدين الأخيرين، لتشغل اليوم نحو رُبع مقاعد مجلس الشورى وخُمس مقاعد مجلس النواب.
أما في السياسة الخارجية، فقد رسّخ الميثاق ثوابت نهج البحرين الخارجي ضمن محيطها الخليجي والعربي والدولي. وبفضل قيادة جلالة الملك المعظم الحكيمة، أدت البحرين دوراً محورياً في ترسيخ السلام والتفاهم والتعايش، ولاتزال تعمل لما فيه خير البشرية وأمنها وازدهارها.
وفي المجمل، إن التحولات الجذرية التي أحدثها ميثاق العمل الوطني في مسيرة البحرين أكبر من أن تُحصى. غير أن الاحتفاء بهذه المناسبة يمثل فرصة لاستذكار تلك اللحظة المفصلية في التاريخ الوطني، حين تلاقت الإرادة الملكية مع إرادة الشعب لرسم مستقبل الوطن المزدهر. كما أنها فرصة متجددة لتجديد الولاء والانتماء وشحذ العزيمة لمواصلة العمل بروح الفريق الواحد (فريق البحرين) لاستكمال مسيرة النهضة والبناء والتقدم في المجالات.