خولة الهاجري

في أقصى جنوب الأرض – أنتاركتيكا – حيث الجليد لا ينتهي .. لوحظ بطريق إمبراطوري يسير بعكس اتجاه قطيعه.

بينما كانت آلاف البطاريق تتجه نحو البحر بحثاً عن الحياة .. كان هو يمشي وحده نحو الداخل، نحو الجبال، حيث لا طعام ولا نجاة!راقبه العلماء بدهشة لم يكن مريضاً ولم يكن تائهاً .. كان يمشي بخطى ثابتة كأنما يعرف الطريق.

في عالم البطاريق حين يشعر أحدهم بأن وقته قد اقترب .. يترك القطيع لا ليربكهم ولا ليكون عبئاً عليهم بل ليواجه نهايته وحده، ما يُعرف «بالعزل الذاتي» وهو شائع في عالم الحيوانات، حيث لا صراخ، لا وداع، لا التفاتة أخيرة .. ذلك البطريق لم يكن هارباً من الحياة .. بل كان يحفظ كرامتها.

مضى نحو البياض اللامتناهي، حيث الصمت .. وهناك بعيداً عن العيون أتمّ رحلته الأخيرة، واستمرت روحه في السعي حتى حين عجز جسده عن المواصلة !

ذلك المشهد المؤثر الذي غزا وسائل التواصل الاجتماعي في العالم، كان لقطة من سلسلة الوثائقي الشهير «لقاءات في نهاية

العالم» للمخرج فيرنر هيرتزوغ الذي نُشر عام 2007م، حيث يترك بطريق أديلي مستعمرته فجأة، ويتجه وحيداً نحو جبال القطب المتجمد، متجاهلاً نداء الغريزة، والطعام والبقاء ..

هذا السلوك الغامض فتح باباً واسعاً للتساؤلات الوجودية: هل هو خلل فطريّ؟ أم تمرّد صامت على نظام القطيع؟ أم بحث يائس عن معنى مختلف للحياة؟

بعد أكثر من 15 عاماً – من نشر الوثائقي – يبقى رحيل البطريق لغزاً لا إجابة له والسبب أن بعد الـ 70 كيلو متراً التي قطعها، توقف، فسقط ثم زفر آخر أنفاسه، مات ولكن قصته لم تمت!

بين من يراه خطأً بيولوجياً، ومن يراه رمزاً للشجاعة والاختلاف، يبقى هذا البطريق شاهداً على فكرة عميقة: «أن بعض الأرواح تفضّل طريقها الخاص، حتى لو كان نهايته الفناء»، وفكرة أخرى تقول: «إن البعض منا قد يتوه وهو يحاول أن يحقق ذاته».كلمة أخيرة

الإنسان هو من أضفى المعنى العاطفي على سلوك ذلك البطريق، لأنه رأى فيه صورة حزنه هو. أحياناً العبرة تكون في أن الخروج عن الحلقة قد يعني حياة مختلفة، وأن الرحيل قد يكون محاولة أخيرة لالتئام جرح منسيّ، وهذا هو الحال عندما تصبح العزلة هي الخيار الوحيد.