البورصة «مرآة الاقتصاد»؛ فصحة الأسواق المالية لا تعكس فقط قوة الشركات المدرجة، بل تعكس متانة البنية التشغيلية والبيئة الاستثمارية للدولة. وفي ظل الطفرة الاقتصادية التي تشهدها المنطقة، دخلت الأسواق الخليجية في سباق محموم نحو «اقتناص السيولة»، حيث لم يعد التنافس مقتصراً على جذب المستثمرين المحليين، بل امتد ليكون صراعاً إقليمياً وعالمياً على الصناديق الدولية.

الأسبوع الماضي أعلنت بورصة البحرين عن استراتيجية طموحة لتطوير عملها تحت مسمى «ارتقاء»، وهي استراتيجية ليست عامة أو حالمة، إنما تتضمن في كثير من أجزائها تنفيذ مبادرات ومشروعات محددة، وفقاً لجدول زمني واضح يمتد من 3 وحتى 36 شهراً.

تضمّنت الاستراتيجية بشكل واضح ومحدد إنشاء «حاضنة لتسريع الإدراج»، وإطلاق منتجات تداول ليست موجودة حالياً في بورصة البحرين مثل العقود الآجلة Futures والخيارات Options وصناديق المؤشرات المتداولة ETFs، وآليات مثل البيع على المكشوف

Short Selling والتمويل بالهامش.

الاستراتيجية تضمنت أيضاً إدراج ثماني شركات نوعية ذات قيمة عالية من القطاعين العام والخاص في بورصة البحرين على مدى الأعوام الثلاثة القادمة.

ويأتي هذا التوجه مدفوعاً بنجاحات شهدناها مؤخراً، مثل الإدراج النوعي لشركة «صلة الخليج»، والذي أعطى مؤشراً إيجابياً لقدرة السوق على استيعاب نماذج أعمال عصرية، مع الإشارة إلى أن حجم الطلب على اكتتاب «صلة» فاق العرض بأربعة أضعاف.

ولا يمكن إغفال أن هذه الاستراتيجية لا تستهدف الداخل فحسب، بل تمتد لتشمل «استقطاب الوسطاء الإقليميين» ذوي القيمة المضافة، وذلك لربط بورصة البحرين بشبكة تدفقات مالية أوسع. ففتح الباب أمام شركات الوساطة الكبرى في المنطقة وتسهيل عمليات التداول المتبادل يعني اختصار المسافات أمام رؤوس الأموال الخليجية والعالمية.

إن «صحة البورصة» هي الشهادة الحقيقية على نجاعة السياسات المالية؛ لذا فإن التركيز على التسويق الاستراتيجي وصناعة «الأخبار الشيقة» ليس ترفاً، بل هو وسيلة حيوية لنقل الرسائل الصحيحة للمستثمرين حول العالم، مثلاً تحديث نظام الإفصاحات وأتمتة منصات الإدراج يبعث برسالة حاسمة: البحرين جاهزة، شفافة، وتنافسية.

إن نجاح استراتيجية «ارتقاء» بجدولها الزمني المحكم، يمثل حجر الزاوية في تدعيم «العمق المالي» للبحرين، ففي نهاية المطاف، المعركة في أسواق المال اليوم هي معركة «ثقة وتكنولوجيا» ومن خلال تبني هذه المبادرات الجريئة، تسعى بورصة البحرين لتطوير منظومتها، ورفع مستويات التداول والسيولة، في عالم باتت فيه تدفقات السيولة تذهب دائماً حيث يوجد الوضوح، الابتكار، والفرص النوعية.