التسويق وتحديداً جانب الإعلانات منه، لم يَعد في الوقت الحاضر دعوة مباشرة للشراء كما كان في السابق، فقد أصبح دعوة لشراء نسخة «أفضل» من ذاتنا، نسخة أكثر نجاحاً واهتماماً بمن حولها ممن هم تحت مسؤوليتها، وحتى هذه تأتي بطريقة غير مباشرة، فهي لا تقول: أنفق، استهلك، وإنما ببساطة تبعث برسالة مفادها: إن لم تشترِ هذا فأنت لا تقدم لنفسك ولمن هم تحت مسؤوليتك ما يكفي، إن شئت سمِّ ذلك «اقتصاد الشعور بالذنب»، اقتصاد يبنى على استثمار ذلك التوتر الداخلي الذي ينشأ حين نقارن أنفسنا بصورة مثالية تعرضها عليها الإعلانات، أب مثالي لا تفوته أي مناسبة تعليمية لأطفاله، أم توفّق بين عملها وصحتها، موظف يطوّر مهاراته بلا توقف، ومستهلك «أخلاقي» لا يشتري إلا ما يحافظ على البيئة.

ينشِئ هذا النوع من التسويق مناخاً يجعل من الاستهلاك سلوكاً تعويضياً، فعندما نشتري كأننا نزيح عن ضمائرنا ثقلاً، نشتري لنبرهن لأنفسنا أننا لسنا مهملين، بل نحن على الطريق الصحيح، من الناحية النفسية سلوكنا الاستهلاكي قادم من شعورنا بالذنب، ولذلك نعمل على الإصلاح بالإنفاق والاستهلاك، فعندما يشعر الإنسان بأنه قصّر في جانب ما، تجده يسعى إلى عمل يعيد له توازنه الأخلاقي، فعلى سبيل المثال في مجال الصحة حيث يربط الالتزام الأخلاقي تجاه الجسد ببرامج غذائية ومكمّلات وأجهزة تتبع، تجد الناس ينفقون لشراء أجهزة التتبع والمكملات الغذائية بمجرد معرفهم أو شعورهم بالتقصير تجاه أجسادهم، وفي مجال البيئة حيث يتحول القلق المشروع بشأن الكوكب إلى حافز لشراء منتجات «خضراء»، في الواقع الخطاب التسويقي لم يجعل من المنتج مجرد سلعة، بل حولها إلى وسيلة «للتطهير»، إلا أنه من السذاجة اختزال هذه الظاهرة في اتهام مباشر للشركات وحدها، فالسوق لا يخلق المشاعر من العدم، بل يجدها موجودة ويعمل على تضخيم معايير مثالية، وعلى أساس الواقع ظهرت ثقافة الأداء العالي والمقارنة المستمرة التي غذّتها وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تُعرض النجاحات واللحظات المثالية بلا سياق ولا كلفة، فيبدو الواقع الذي نعيشه أمام أنفسنا ونحن نقارنه بما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي، أقل بريقاً وأقل كفاية، ومع تكرار المقارنة، تتسع الفجوة بين ما نحن عليه وما نظن أننا يجب أن نكونه، فتتحول هذه الفجوة إلى فرصة اقتصادية.

هنا يجب أن يكون السؤال أعمق من مجرد نقد إعلان أو حملة تسويقية، إنه سؤال عن علاقتنا بأنفسنا، وعن الحدود بين الرغبة المشروعة في التحسن وبين الانجرار وراء معيار لا يمكن بلوغه، لأننا عندما نفهم هذه الآلية، ندرك أن الاستهلاك أحياناً ليس بحثاً عن الحاجة بل بحثاً عن راحة الضمير، والخطورة ليست في شراء منتج أو اتباع نظام صحي أو اختيار سلعة صديقة للبيئة، بل في أن يصبح كل ذلك مدفوعاً بإحساس دائم بالتقصير، وكأننا محكومون بالسعي المستمر نحو نموذج مثالي يتبدل كلما اقتربنا من تحقيقه، الحل ليس في الانسحاب من السوق أو إعلان الحرب على الإعلانات، بل في استعادة وعي أهدأ بذواتنا، وطرح سؤال بسيط قبل كل عملية شراء: هل أحتاج هذا حقاً، أم أحاول فقط أن أهدّئ شعوراً عابراً بالذنب؟

* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية