الاهتمام الذي أبداه جلالة الملك المعظم، وصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظهما الله، بإصدار كتاب «عيسى الكبير.. باني الدولة الحديثة»، يعكس مدى حرصهما على أن يكون مكان التاريخ البحريني العريق ليس أرفف المكتبات العامة ومراكز البحوث، وأن يكون متاحاً للباحثين والمختصّين فقط، بل أن يكون هذا التاريخ حيّاً يتفاعل مع الناس ويقدّم نفسه للمواطن البحريني ولكلّ المهتمين بتاريخ مملكة البحرين والقرّاء العاديين.

علمتني تجربة كتاب «عيسى الكبير.. باني الدولة الحديثة» بأن لدينا مخزوناً ضخماً وكبيراً من الوثائق والمصادر والمراجع، موجوداً وبإمكانه أن يصنع مادةً ثريةً للنشر والتداول حين يُعرض مصحوباً بالتحليل والنقد والدراسة والمجادلة الموضوعية، أي مُصاغاً بصيغة تفاعلية تحاكي ما يتمّ تداوله تأييداً أو تصحيحاً أو جديداً يُقدَّم.

هذا الكنز الذي بين أيدينا بإمكانه أن يكون قاعدةً كبيرةً للمعلومات والبيانات، ويكون محتوى كبيراً جاهزاً للنشر. يحتاج فقط لإعداده وتجهيزه، كي يكون مؤهلاً للنشر وفقاً للمنصة التي سيُطلق منها، إن كانت منصة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، إن كانت للباحثين والدارسين والمختصّين، وإن كانت للمؤرخين والكُتّاب، وإن كانت للطلبة، وإن كانت للعموم ولمحبّي الاطلاع، مادة تُصاغ وفقاً للجمهور الذي سيتلقاها حسب الفئات العمرية وحسب التخصّصات.

هذا الأرشيف كنز عظيم، وما سُمّي وطنياً إلا لأنه يخدم الوطن ويخدم سمعتنا وصيتنا، والترويج لإرثنا وتاريخنا العظيم هو المهمة القادمة لشبابنا. ومن الظلم أن يُكتفى بحفظه وتوثيقه والغلق عليه بحجة الحفاظ عليه وعدم استغلاله استغلالاً سيئاً.

هذا الأرشيف يحتاج إلى محبين فخورين بوطنهم، يعتزون به ولا يخشون من محاولاتٍ للتزييف أو الكذب، فلديهم من الأدوات ما يمكنهم من عرضه وحمايته ورعايته.

هذا الأرشيف يحتاج إلى منصات عديدة لإطلاقه، ويحتاج بالضرورة إلى كادر يعرف كيف يصنّفه ويمحّصه ويترجم ما يحتاج إلى ترجمة منه، ثمّ يكلّف الشباب البحريني بدراسته والبحث فيه ونشره.

هذا الكتاب ساعدني فيه مجموعة من خيرة شباب البحرين، يملكون الحسّ الوطني والمعرفي والقدرة التحليلية التي نحتاجها لتقييم المادة. فما ستجدونه في كتاب «عيسى الكبير» معلومات موجودة تحت أيدينا، وبعضها موجود في مكتبات خليجية مفتوحة للعموم عبر الإنترنت، بانتظار من يغرف منها.

نحتاج أن نُحرّر أرشيفنا الوطني من الانغلاق، ونحتاج أن يكون لدينا مشرفون لإجازة الرسائل الأكاديمية والبحثية، وإجازة الكتب، يمتلكون الخبرة والدراية، شعارهم في العمل أن الأصل في الأشياء الإباحة، والمنع استثناء.

إننا لا نحمي أنفسنا بالغلق والمنع والتردّد والخوف، إننا نملك إرثاً تاريخياً صنع حاضرنا الذي نعتزُّ به، ومن الظلم لهذا التاريخ العظيم أن يُحجب بحجة الخوف من إساءة الاستغلال أو أي حجة أخرى نتذرّع بها.

تاريخنا وإرثنا يحتاج أن يخرج من أرفف المكتبات وأدراج الأرشيف، ولا يُكتفى بقاعات الجامعات لمناقشته.

تاريخنا بحاجة إلى أن نفخر به لا أن نخاف عليه.