بدر علي قمبر

لم يكن يوم السادس عشر من فبراير يوماً عادياً في مسيرة عطاء المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، بل كان يوماً مميزاً ورائعاً مليئاً بالمشاعر والأحاسيس، ويوم وفاء وتقدير لتاريخ إرث إنساني عريق امتد أثره على مدار عقود، وساهمت فيه أجيال بنت الخير وأعطت الكثير في بحرين المحبة والإنسانية. وقد صادف هذا الاحتفاء بإرث صاحب العظمة عيسى الكبير، الذي انطلقت منه ومضات الخير ومازالت، ممتدة لتنشر إشعاع نورها البراق في أنحاء المعمورة. إنه يوم وفاء وتقدير لمن أسّس البنيان، وشيّد الأركان، وأرسى دعائم الإنسانية ومفاهيم العطاء، وجعل من الإنسانية قيمة نبني عليها حياتنا ما حيينا.

شكراً لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، على تأسيسه لجنة كفالة الأيتام في العام 2001، والتي وُلدت من رحم ميثاق العمل الوطني، وامتد نورها إلى يومنا هذا، حيث انعكس أثرها على أجيال تربت في ظلالها طوال تلك السنوات، وعلى شعوب تحسنت أحوالها بفضل الله تعالى أولاً، ثم بفضل إنسانية العطاء التي انطلقت من ركائز الخير في المؤسسة. لم تكن حكاية لجنة كفالة الأيتام حكاية عادية، بل حكاية تُروى للأجيال، ويجب أن تُدرّس قيمها ومعانيها لأبنائنا الذين ينبغي أن يكونوا لبنات خير لتعزيز الإنسانية في وطن أحبّنا وأحببناه دوماً.

كانت اللجنة في بداياتها صغيرة ترعى الأيتام، ثم أمر جلالة الملك المعظم، حفظه الله، أن يشمل عطاء المؤسسة أمهات الأيتام، فمضت المسيرة ترعى تلك الأسر التي فقدت معيلها، فلم تحسّ حينها ولو للحظة واحدة أنها تعيش منعزلة عن المجتمع، بل كانت جزءاً من مجتمع يضمها بمشاعره ويشاركها أحاسيسها. ارتقت الأم لتصبح نموذجاً للأمهات اللواتي قدّمن لأبنائهن الدعم والرعاية، وأصبح الأبناء اليوم شعلة من الخير، تربّوا في «الملتقى القيادي» الذي علّمهم أن العطاء والبذل لا يكون بالقعود بين الجدران، بل بأن يُقدَّم بخطوات إحسانك وأناملك، مستفيدين مما تعلموه في «أسرة المؤسسة الملكية» التي أحبّتهم وعلّمتهم أن التربية العملية تأتي بالممارسة والمعاملة مع قدوات الخير. وهذا ما تحقق في سنوات التأسيس الأولى.

الحفل يروي قصة عطاء 25 عاماً عشناها نتذوق فيها معاني الخير والإحسان، قادها بإحسان ولمدة 19 عاماً سمو الشيخ ناصر بن حمدآل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، رئيس مجلس الأمناء، الذي تفضّل بحضور الحفل وألقى كلمة عفوية جميلة أشعلت مشاعر الحضور، وكان كعادته قريباً من الجميع، وقريباً من المؤسسة. لم يتوانَ سموه ولو للحظة في تقديم الدعم والمساندة والتشجيع لموظفي المؤسسة، بل كان مصدر إلهام في عطائه وحاضراً على منصات التكريم والبرامج والفعاليات.

ومن جملة ما قاله سموه: «ظهرت مني مشاعر تجاه موظفي المؤسسة العريقة العظيمة بأفعالكم وخدمتكم اليومية، وبإخلاصكم وتفانيكم طوال 25 سنة. يشرفني أن 19 سنة منها كنت معكم في هذه المؤسسة، وسنين قادمة في خدمة الخير وخدمة هذا البلد وكل محتاج سواء داخل المملكة أو خارجها. وكما تعرفون، بدأت المؤسسة بفكرة متواضعة من سيدي حضرة صاحب الجلالة، حفظه الله، ولكن أفكاره دائماً تسبقنا. وتذكرون قبل أكثر من خمس سنوات قلت لكم أن كل واحد منكم مستشار لجلالة الملك، وفعلاً أفكاركم في محلها وأداؤكم في محله. واليوم، المؤسسة الملكية لها بصمة أثر داخل وخارج المملكة، وصولاً إلى إخواننا وأخواتنا المحتاجين في كل دول العالم. بفضل الله وحسن إدارتكم، أصبحت المؤسسة في مصاف المؤسسات العالمية، وشكراً لجميع المساهمين على تبرعاتهم. ونتمنى أن نكون عند حسن ظن كل محتاج وحسن ظن سيدي صاحب الجلالة. عمل الخير هو الراحة، ويشعر الإنسان براحة نفسية عندما يمد يد العون للآخرين».

استذكرت مع هذه المعاني مقالاً كتبته بعنوان «كلمات ناصر بن حمد في صرح الخيرية الملكية» ونُشر بتاريخ 23 فبراير 2018، وتحدثت فيه عن احتفاء المؤسسة بتكريم المنجزين السنوي بحضور سموه. وبعد مرور ثماني سنوات على كتابة تلك السطور، فإن الزمن يُعيد أثره بمثل هذه المعاني، ويُعيد سموه ما ذكره في ذلك الاحتفال، مؤكداً أن مسيرة الخير مستمرة، وأن مسيرة العطاء والأثر الجميل يجب أن تمتد إلى الأجيال القادمة، كما امتدت من بذرة العطاء في العام 2001 إلى 25 عاماً من الإرث الإنساني الخالد. ودائماً ما أستذكر عبارة سموه في ذلك الحفل: «تواجدي معكم أكبر اعتزاز وفخر، وأتذكر ما قلته لجلالة الملك المعظم حفظه الله كلمة واحدة: أتمنى شيئاً واحداً، أن تجردني من كل شيء في هذه الدنيا إلا المؤسسة الخيرية الملكية، أنا معكم في هذه المؤسسة سواء كنت رئيسها أو أصغر موظف، فلن أفكر في مغادرتها».

الأيام تمضي سريعاً، ومسيرة العطاء لا تنتهي، وبصمات الخير ممتدة لجميع من يستحق المساعدة داخل البحرين وخارجها. يكفينا فخراً أن توجد أيادٍ تعمل في الخير بلا كلل، أيادٍ لا تنظر إلى وظيفتها بل تنظر إلى أجرها في صحائف الأعمال، أيادٍ تشغل نفسها برضا الله تعالى وليس لإرضاء البشر.

نحن اليوم مقبلون على مرحلة تحدٍّ جديدة مع الاحتفاء بربع قرن من العطاء الإنساني، مرحلة شمولية للإنسانية، وشمولية للبرامج، والمبادرات الجديدة التي ستُنفذ بإذن الله تعالى، تكريماً لباني هذه المؤسسة جلالة الملك المعظم، ولقائدها سمو الشيخ ناصر، حفظهما الله، وأبقاهما ذخراً وسنداً لعمل الخير.

ومضة أملجميلة هي لحظات الحب التي يتبادلها القائد مع من يعملون معه، ويستذكر معهم كل لحظات الخير التي بناها معهم خطوة بخطوة. هكذا نعمل من أجل الله تعالى أولاً، ثم من أجل الإنسانية، ومن أجل قادة يؤمنون أن العطاء والأثر يكبر ويمتد بروح الفريق الواحد، وبمحبتهم لبعضهم البعض، وبإيمانهم بالفكرة وروحهم المتجددة في الخير. فجزى الله جلالة الملك المعظم خير الجزاء، وبارك في عمره وعمله، وجعل هذه المؤسسة صدقة جارية له، ولنجله ناصر الخير، بأن يعينه على فعل الخير، وأن يكون يد الخير الممدودة والمُحسنة لكل محتاج.