يوسف الجنيد

قال الله تعالى: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُّؤَجَّلاً»،«آل عمران: 145». هذه الآية الكريمة تكشف حقيقة عظيمة: الموت قدر محتوم، لكنه كتاب مؤجل - له أجل مسمى يرتبط بسنن الله في الكون.قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً، عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»، «رواه البخاري». هذا الحديث يؤكد أن الله وضع الشفاء في خلقه، والتقدم الطبي هو اكتشاف لهذه السنن الإلهية.في عصر النهضة خلال القرنين الخامس عشر والسابع عشر، كان متوسط العمر لا يتجاوز ثلاثين إلى أربعين عاماً. الجهل بالجراثيم وغياب التعقيم والأوبئة القاتلة كانت تحصد الأرواح مبكراً. نصف الأطفال كانوا يموتون قبل سن الخامسة، والجروح البسيطة كانت تتحول إلى عدوى قاتلة.مع القرن التاسع عشر، ارتفع المتوسط إلى خمسين عاماً بفضل اكتشافات حاسمة غيّرت وجه الطب: نظرية الجراثيم التي وضعها لويس باستور وروبرت كوخ، والتعقيم الطبي الذي أدخله جوزيف ليستر، ولقاح الجدري الذي ابتكره إدوارد جينر، وأنظمة المياه النظيفة التي قضت على الكوليرا.القرن العشرون شهد ثورة طبية حقيقية رفعت المتوسط إلى سبعين عاماً. اكتشاف البنسلين عام 1928 حوّل العدوى القاتلة إلى أمراض قابلة للعلاج. التطعيمات الشاملة ضد شلل الأطفال والحصبة والدفتيريا أنقذت ملايين الأطفال. علاجات القلب والسرطان المتطورة أضافت سنوات ثمينة للحياة.اليوم في عام 2025، بلغ متوسط العمر العالمي ثلاثة وسبعين عاماً، وفي الدول المتقدمة تجاوز ثمانين عاماً. الطب الجيني وتقنية كريسبر والذكاء الاصطناعي في التشخيص والعلاجات المناعية للسرطان - كلها ثمار التقدم العلمي المتسارع الذي يكتشف المزيد من سنن الله في الخلق.العلاقة طردية لا لبس فيها: كلما تقدمت البشرية علمياً، اكتشفت المزيد من الشفاء الذي أودعه الله في خلقه، وبالتالي أطالت الأعمار. من ثلاثين عاماً مع المعرفة البدائية في عصر النهضة، إلى ثلاثة وسبعين عاماً مع الطب الحديث اليوم - مضاعفة العمر تقريباً خلال خمسة قرون.في دول مجلس التعاون الخليجي، حققت المملكة العربية السعودية إنجازاً تاريخياً برفع متوسط العمر إلى خمسة وثمانين عاماً في 2025، متجاوزة الهدف المحدد لعام 2030 بخمس سنوات كاملة. هذا القفز الهائل من ثلاثة وخمسين عاماً في سبعينات القرن الماضي يعكس استثماراً ضخماً في البنية الصحية بأكثر من خمسمائة مستشفى وألفين وخمسمائة مركز رعاية، التحول الرقمي عبر منصة صحة بخمسة وثلاثين مليون ملف طبي موحد، برنامج اطمئنان للفحص المبكر الذي أجرى خمسة عشر مليون فحص شامل، مكافحة الأمراض المزمنة كالسكري والقلب والسرطان، وتحقيق انخفاض تسعة وخمسين بالمائة في الوفيات المرورية.الموت قدر محتوم بيد الله وحده، لكن الأجل المؤجل مرتبط بسنن الله في الكون. التقدم العلمي ليس تحدياً للقدر، بل هو اكتشاف للأسباب التي قدرها الله لإطالة الأعمار. كلما علمنا أكثر عن الأمراض والعلاجات، اكتشفنا المزيد من الشفاء الذي وضعه الله في خلقه. نجاح دول الخليج العربي مثال حي على أن الأخذ بالأسباب العلمية مع الإيمان بالقدر يحقق نتائج مذهلة. قال تعالى: «وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً»، «طه: 114».