شكّل ميثاق العمل الوطني الذي طُرِحَ للاستفتاء الشعبي يومي 14 و15 فبراير 2001، نقطة تحوّل في المسار الدستوري والسياسي في مملكة البحرين، حيث هدف إلى الانتقال نحو ملكية دستورية قائمة على المؤسسات المنتخبة وتعزيز دولة القانون. لذلك حظي بتأييد شعبي واسع، حيث بلغت نسبة الموافقة 98.4%، وهو ما جعله تعبيراً حقيقياً عن توافق وطني كبير على المشروع الإصلاحي الذي أسسه جلالة الملك المعظم. لذلك لم يعد يُنظر للميثاق باعتباره وثيقة إصلاح سياسي شاملة فقط، إنما نقطة الارتكاز نحو الانطلاق للتحول في المسار الدستوري والسياسي في مملكة البحرين، وتأسيس نموذج بحريني عالمي في الحوار والتسامح وتعزيز دولة المؤسسات والقانون.
شكّل النموذج البحريني إطار عمل لإدارة الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإسراع بالتنمية الشاملة والمستدامة. إذ انطلق هذا النموذج من فرضية مركزية مفادها أن ترسيخ قيم الحوار ودولة القانون وقبول التعدد والتنوع، والتسامح الديني والثقافي، يؤدي إلى الأمن والاستقرار، ويهيئ بيئة مواتية للإصلاح والتنمية ورفاهية المواطن.
لقد تبنّى جلالة الملك المعظم منذ توليه الحكم عام 1999 نهجاً إصلاحياً شاملاً جعل الحوار والتسامح ركيزةً حاكمة في إعادة بناء المجال العام. من خلال الربط بين الانفتاح السياسي والمجتمعي وبين الاستقرار الداخلي، وكان ميثاق العمل الوطني (2001) هو البداية الأساسية في بناء هذا النموذج الفريد والذي حظي بتأييد شعبي واسع، وأرسى أُسس المشاركة السياسية، وفتح المجال أمام الجمعيات، والإعلام، والحوار المجتمعي المؤسسي.
لم تُبقِ القيادة الرشيدة هذه القيم في إطار المبادئ والقيم السياسية فقط، بل جرى تحويلها إلى مؤسسات وسياسات عامة ملموسة على أرض الواقع، سواء في شكل مؤسسات سياسية واجتماعية وإصلاح اقتصادي، وإصلاح شامل كان أبرز ملامحه السياسية هو إنشاء مجلس وطني بغرفتين (النواب المُنتخب والشورى المُعيَّن) وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتوسيع المشاركة السياسية وإقرار حقوق مدنية أوسع.
وعلى المستوى الاقتصادي، فقد ارتفعت معدلات النمو الاقتصادي، بل وتتوقع بيانات البنك الدولي ارتفاعاً كبيراً في النمو الاقتصادي في البحرين خلال السنوات القادمة مع استمرار جهود التنويع الاقتصادي، ما يعكس اتجاهاً إيجابياً في متوسط النمو، إضافة إلى بناء مؤسسات الدولة وتنوع مصادر الدخل، خاصة عبر تطوير القطاعات غير النفطية، وارتفاع نسبة المتعلمين من الجنسين، وتأسيس بنية رقمية قوية لإدارة كافة شؤون الدولة، وتحوّل البحرين لمرفأ مالي خليجي متميز، وحصول البحرين على مراكز متقدمة في تصنيفات الأمم المتحدة للتنمية والإسكان والأمن والبنية التحتية.
تُظهر هذه المعطيات أن ميثاق العمل الوطني نموذج متكامل لإصلاح سياسيي مستدام وتأسيس دولة القانون والمؤسسات، دولة تؤمن بالحوار والتسامح والتعددية الثقافية والدينية التي هي سر قوتها الأساسية، لأنها تجمع بين القيم الإنسانية والتنمية المستدامة، وتقدّم نموذجاً عربياً ذا بُعد عالمي في إدارة التنوع والتعدّد وبناء السلام والتنمية المستدامة، ما يجعلها نموذجاً جديراً بالدراسة ضمن أدبيات الإصلاح السياسي ودولة القانون والتنمية المستدامة.