في تاريخ البحرين المعاصر، تبرز شخصيات استطاعت أن تجمع بين عمق الجذور واتساع الأفق، وتقدم نفسها بوصفها امتداداً لوعي يتجاوز حدود اللحظة، وبين تلك القامات يقف الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة بوصفه صفحة ناصعة من صفحات الدولة الحديثة، ورمزاً جسّد حضور الحكمة عبر مسار امتد نحو قرن كامل، حمل ملامح جيل نشأ على القرآن مبكراً، وتفتحت عيناه على قيم المحرق وأسواقها القديمة ومجالسها العامرة بالمعرفة والقراءة والجدل الجميل.

من يقرأ سيرة هذا الرجل يلمس طبيعة التكوين الذي يجمع بين خشوع القاضي ووقار المؤرخ وعمق المفكر وأناقة الأديب ورهافة الشاعر، فيتشكّل من هذا المزيج صوت وطني حمل مسؤوليات ثقيلة وعرف كيف يهب للبحرين ما يليق بذاكرتها الممتدة، فقد كانت بداياته في القضاء لحظة تأسيسية، حيث اعتلى منصة الحكم في الخمسينات، ثم شغل موقعه في الاستئناف العليا، وترك في كل محطة أثراً يشهد على شخصية تعرف معنى النظام والعدل والانضباط، وتمنح منصبها من روحها أكثر مما تمنح من سلطتها.

وحين اتجه إلى العمل البلدي، حمل بذات الروح رؤية ترتيب الأمكنة وتنظيم الحركة وتطوير الخدمات، فصار عنواناً لمرحلة من التخطيط الحضري الذي مهّد لتحولات لاحقة في الرفاع والمنامة، ثم أضاف لمسيرته دوراً مفصلياً حين تولّى مسؤوليات وزارية في الزراعة، ثم العدل والشؤون الإسلامية، وواصل حضوره في الحكومات المتعاقبة نائباً لرئيس الوزراء ورئيساً للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، في مشهد يعكس ثقة الدولة في رجل عرفته في مواقع متعددة، ووجدت فيه اتزاناً يليق بالمراحل الحساسة التي مرت بها البحرين.

أما الذاكرة الثقافية فتقف أمام اسم الشيخ عبدالله بن خالد بشيء من الامتنان، فهو صاحب أول مكتبة عامة في البحرين، فيوم اجتمع شباب آل خليفة في المحرق على فكرة بسيطة تحوّلت لاحقاً إلى مؤسسة تنبض بالحياة، وتستقبل القرّاء من كل الجهات، وتلك الخطوة كانت أكثر من تأسيس مكتبة، فقد بدت بوابة لوعي جديد يفتح للناس مساحة يجدون فيها ما يغذي عقولهم، ويقربهم من عالم القراءة الذي يحرك المجتمع نحو فكرة أوسع عن المعرفة، ويمنح الدولة رافداً ثقافياً يوازي جهودها في البناء، ويجمع في مكان واحد ما يحتاجه القارئ ليستند إلى تاريخ مكتوب وذاكرة مفتوحة على المستقبل.

وتواصل هذا الحسّ الثقافي حين أسس مركز الوثائق التاريخية، فجمع سبعين ألف وثيقة تحكي قصة البحرين من زواياها المتعددة، وكأن الرجل أراد أن يحفظ الزمن من التلف ويهب الباحثين نافذة يطلّون منها على الذاكرة، ثم امتد حضوره إلى تأسيس مركز عيسى الثقافي، وإلى كل ما يتصل بالوثيقة والبحث والتاريخ والهوية.

وحين وقفت البحرين على أعتاب مرحلة جديدة مطلع الألفية، كان الشيخ عبدالله بن خالد حاضراً في صوغ الوثائق الكبرى التي شكّلت وعي الدولة الحديثة، من الميثاق إلى الدستور، في مشهد يدل على إدراك عميق بدور الكلمة وصوت القانون ومسؤولية البناء المتدرج، ذلك كله جعل سيرته جزءاً من سردية وطن يتشكل عبر رؤى مختلفة، لكل منها أثر، ولكل شخصية موقع، غير أن موقعه كان من النوع الذي يشبه الأعمدة الصامتة التي تستند إليها الهياكل الكبيرة.

وفي المعترك الديني، حمل همّ الجوامع والمساجد ومراكز التحفيظ والمعاهد الشرعية، وفتح الأبواب أمام جيل واسع من أبناء البحرين الذين وجدوا في جهوده مساراً يضع القرآن في قلب المجتمع، ويمنح العلوم الشرعية مكانة ترتبط بالتسامح والإخاء ونقاء العلاقة بين أبناء الوطن، وذلك من خلال حضور دائم في المحافل القرآنية واللجان الرسمية ومشاريع التحفيظ ومصحف البحرين.

وتبدو لحظة افتتاح مكتبة الشيخ عبدالله بن خالد في مركز عيسى الثقافي امتداداً طبيعياً لمسار طويل من العطاء، فالمكان الذي يجمع آلاف الكتب ومؤلفاته وإصداراته الخاصة يعكس ملامح رحلته مع المعرفة، ويحول إرثه الفكري إلى حضور حيّ يقترب منه القارئ في كل صفحة، ويضع أمام البحرين صورة رجل أدرك قيمة الكتاب وترك أثره واضحاً في رفوف تستمر في رواية سيرته.

وفي لحظة قص الشريط، وقف الحضور حول مكتبة تحمل عبق المحرق ورائحة الأوراق التي جمعها الشيخ عبر عقود من القراءة والتأمل، فبدت كأنها تستعيد صوته وهو يفتح كتابه للمجتمع ويمنح معرفته طريقاً يتواصل عبر الأجيال، ويفتح المكان أبوابه كفضاء يختزن سيرة رجل جعل من المعرفة طريقاً للعطاء، فتتوزع ملامح رحلته في كل رف، وتتابع حضوره عبر صفحات تواصل رواية أثره الوطني.

وتتكامل السيرة حين نتأمل حضور الشيخ عبدالله بن خالد في فضاءات متعددة، فقد جمع بين العمل الرسمي والعمل الاجتماعي، وأسّس مؤسسات راسخة تواصل رواية رؤيته، من الهلال الأحمر إلى جمعية الحكمة، ومن المراكز الدينية إلى المشاريع الثقافية التي حملت بصمته مثل مركز أُبيّ بن كعب الذي مازال يخرّج حفاظ كتاب الله الذين يشاركون في المسابقات العالمية ممثلين عن مملكة البحرين.

وعند رحيله بقي أثره ممتداً في الشوارع التي تطورت، والوثائق التي حُفظت، والمراكز التي احتضنت المعرفة، والمصحف الذي انتشر بين الجوامع، والوعي الذي نما عبر سنوات من الحضور الهادئ. لقد بقيت صورته على هيئة حكمة تتجدد في كل جيل، ومعرفة تفتح أبوابها لخدمة الوطن، وذاكرة تحتفظ بوهج رجل عاش للبحرين وترك في مسيرتها ما يجعل ذكراه جزءاً من روحها الدائمة.