مع نسمات شهر رمضان المبارك؛ تنفتح أبواب الرحمة والبركة في صور تكافل اجتماعي وإنساني، حيث يسارع أصحاب الأيادي البيضاء بمضاعفة العطاء، عبر الصدقات والموائد وتوزيع الطرود الغذائية للمحتاجين، فيسود التراحم بين أفراد المجتمع وتتعزز روح التعاون والعطاء.
ومن أبواب التراحم ما نراه وبشكل يومي طيلة أيام الشهر الفضيل، هو توزيع وجبات إفطار على المحتاجين من الجاليات والعمال، والذين نراهم يصطفون أمام خيم وأكشاك أُعدّت لهذا الغرض، في صورة تعكس أسمى صور التراحم والإحساس بذوي الحاجات.
لكن ما ينغّص هذا المشهد الإنساني، هو أن يقوم بعض القائمين على تلك الخيم بتصوير العمال وهم يأخذون وجباتهم، ثم يعرضونها على وسائل التواصل الاجتماعي، كنوع من التباهي والتفاخر، غير عابئين لشعور هؤلاء العمال، وما يمكن أن يسببه هذا الفعل من حرج.
صورة أخرى نراها منتشرة في أغلب مناطق البحرين، وهي وجود ثلاجات خاصة بالطعام، حيث تعمد العديد من العائلات إلى وضع صناديق الأطعمة فيها، ليستفيد منها المحتاجون، في صورة، من المفروض أن تحفظ كرامتهم وتحافظ على إنسانيتهم، ولكن وللأسف الشديد، ومن خلال مشاهداتي، فقد رأيت أن بعض تلك الأطعمة إما أن تكون بقايا طعام، أو أنها مقدمة بصورة غير مناسبة، فيأنف المحتاج أن يأخذها.
جميل جداً أن نملك الروح الإنسانية، وجميل جداً أن نقوم بمبادرات ومشاريع، خصوصاً في شهر رمضان، لمساعدة المحتاجين، ولكن الأجمل أن نحافظ على كرامتهم الإنسانية، وأن نقدّم لهم بصورة أفضل، دون إشعارهم بالمنة أو التفضّل عليهم.
وقد أكد الله تعالى على هذه الفكرة في الآية 92 من سورة آل عمران، حيث قال تعالى (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ)، حيث إن نيل البِرّ والجنة يتطلب الإنفاق من أحب الأموال والمقتنيات إلى النفس، وليس من البقايا أو ما يفيض لدينا.
وبكل تأكيد، فإن رمضان موسم لتطهير القلوب، فالعطاء الحقيقي لا يحتاج إلى عدسات ولا إلى تصفيق ولا إلى تصدّر المنصات، يكفي أن نصل إلى المستحقين، وأن نترك في أنفسهم أثراً دافئاً، فالمحتاج لا يريد وجبة تسدّ جوعه فقط؛ بل إلى حفظ ماء وجهه.
وفي رأيي، إن أعظم ما يُمكن أن نقدّمه في هذا الشهر المبارك، ليس كثرةَ ما نعطي بل كيف نعطي، وأن نختار الأفضل؛ نغلّفه بالاحترام ونحرص أن يكون عطاؤنا خالصاً بيننا وبين الله، بعيداً عن الأعين، حينها فقط يصبح التكافل عبادة مكتملة، ويصبح الإحسان رفعة للطرفين معاً؛ للمحتاج الذي حفظت له كرامته، وللمعطي الذي صان نيته وحفظ قلبه من شوائب المنّ والتفضّل والتكبّر.
وتقبل الله صالح أعمالنا وأعمالكم.