حينما تتشابك المصالح الدولية وتتصاعد الأزمات السياسية، تتضح قيمة القيادات التي تتعامل مع التحديات بعقلٍ استراتيجي ورؤية بعيدة المدى. فليست القوة وحدها ما يصنع الفارق، بل القدرة على توظيفها بحكمة، وتحويلها إلى عامل استقرار لا أداة صراع. في هذا السياق يبرز جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، حفظه الله ورعاه، بوصفه قائداً يجمع بين الخبرة العسكرية والالتزام العميق بثقافة السلام.
الخلفية العسكرية لجلالته لم تكن أبداً مدخلاً إلى منطق المواجهة، بل فهماً دقيقاً لطبيعة القوة وحدود استخدامها. فالقوة في جوهرها وسيلة لحماية الأوطان وصون مكتسباتها، وليست غاية في ذاتها. من هنا تبلورت قناعة راسخة بأن السلام خيار استراتيجي تتخذه الدول الواثقة من موقعها ومن عدالة مواقفها.
جاءت كلمة ملكنا الغالي في الاجتماع الأول لمجلس السلام امتداداً لهذا التوجه، حيث أكد أن الحوار هو المسار الأكثر استدامة لمعالجة النزاعات، وأن تقريب وجهات النظر، مهما بدا صعباً، يظل أقل كلفة من الانخراط في مواجهات طويلة الأمد.
فالتجارب الدولية تُثبت أن الحسم العسكري قد يوقف نزاعاً في لحظة معينة، لكنه كثيراً ما يخلّف تداعيات إنسانية واقتصادية يصعب احتواؤها.
التصعيد غير المحسوب، والمواقف المتصلبة، والشعارات التي لا تستند إلى قراءة دقيقة للواقع، جميعها عوامل تعقّد الأزمات بدل أن تعالجها.
أما المقاربة القائمة على التوازن، واحترام المصالح المتبادلة، والسعي إلى حلول عملية، فهي التي تفتح المجال أمام تسويات تحفظ الاستقرار وتقلل الخسائر.
من هذا المنطلق، تتحرك مملكة البحرين وفق رؤية تقوم على الاعتدال والانضباط في اتخاذ القرار. فالمواقف لا تُبنى على ردود فعل آنية، بل على تقدير شامل للمعطيات السياسية والإنسانية.
السياسة هنا تُفهم باعتبارها مسؤولية طويلة الأمد تتطلب صبراً ووضوحاً في الأهداف، لا اندفاعاً عاطفياً عابراً.
رغم تعقيدات المشهد الدولي وتداخل مصالح القوى الكبرى، حافظت البحرين على ثبات مرجعيتها القيمية. فدعم الاستقرار الإقليمي، وتعزيز التعاون، والمساهمة في تخفيف معاناة الشعوب، تظل ثوابت تحكم توجهاتها الخارجية.
وهذه الثوابت تستند إلى منظومة من القيم العربية والإسلامية التي تدعو إلى العدالة، والتكافل، وتغليب الحلول السلمية.
انخراط البحرين في المبادرات الدولية والتحالفات ذات الطابع الإنساني أو الأمني التزام عملي بالمشاركة في معالجة التحديات المشتركة.
فالمساهمة في إعادة الإعمار، أو دعم جهود الوساطة، أو العمل ضمن أُطر جماعية لحفظ الاستقرار، يعكس إدراكاً بأن أمن المنطقة مترابط، وأن التعاون ضرورة لا خيار ثانوي.
القيادة البحرينية أسست نهجاً يتجنّب الاستقطاب الحاد، ويوازن بين المبادئ والمصالح، ويضع الاستقرار الإقليمي في صدارة الأولويات.
فالأمن لا يتحقق بالإقصاء، بل ببناء الثقة، ولا يترسّخ عبر فرض الإرادات، بل عبر الاعتراف المتبادل بالحقوق المشروعة. كما أن التنمية المستدامة لا تزدهر في بيئات مضطربة، بل تحتاج إلى بيئة آمنة تحفز الاستثمار والتعليم والابتكار.
بهذه الرؤية، واصلت البحرين أداء دورها في دعم مسارات التهدئة وتقريب وجهات النظر، مستندة إلى قناعة بأن العمل الدبلوماسي التراكمي هو الطريق الأكثر فعالية لتحقيق نتائج طويلة الأمد. فإرساء الاستقرار عملية مستمرة تتطلب اتساقاً في المواقف ووضوحاً في الرسائل.
تظل هذه المقاربة القائمة على الحكمة والتوازن عنصر قوة حقيقياً. فالرهان على الحوار، وتغليب المصلحة المشتركة، والسعي إلى بيئة إقليمية أكثر استقراراً، يعكس فهماً عميقاً لطبيعة المرحلة وتحدياتها.
هكذا تمضي البحرين -بفكر قائدها الملك حمد- في سياستها الخارجية بثبات، مستندة إلى رؤية تعتبر أن أعظم إنجاز يمكن أن تحققه الدول هو توفير الأمن والاستقرار لشعوبها، وتهيئة الظروف الملائمة للنمو والازدهار، بعيداً عن دوائر الصراع وآثاره الممتدة.