ليس المقصود أن نلقي الخير في المجهول وننتظر أن يبتلعه البحر، بل أن نحرره من قيود التوقع، وأن نُنَزِّهه عن رغبة الرد السريع أو الثناء العابر. هنا، افعل الخير ثم انسَه، ودعه يسير في طريقه كما تشاء حكمة الله، لا كما تشتهي حسابات البشر.
في ظاهر العبارة دعوة إلى التجرد، وفي باطنها طمأنينة عميقة؛ الخير لا يضيع، قد لا يعود من الباب ذاته الذي خرج منه، وقد لا يحمل الاسم نفسه، لكنه يعود.
هذه الفكرة التي يسميها البعض «كارما»، نجد لها جذوراً راسخة في وعينا الديني والثقافي؛ في قولنا «اعمل خيراً تلقَ خيراً»، وفي يقيننا بأن الحسنة بعشر أمثالها، وأن ما عند الله لا يضيع. والكارما، إن جرّدناها من سياقاتها الفلسفية البعيدة، يمكن أن تُفهم ببساطة على أنها قانون أخلاقي غير مكتوب، أي «ما تبذره تحصده».
لكن الفارق الجوهري في رؤيتنا أن الخير لا يعود بحتمية ميكانيكية، بل بمشيئة الله وعدله وفضله. نحن لا نفعل الخير ليُعاد إلينا، بل لأننا نؤمن أن الله مطلع على النوايا، وأن ما يُبتغى به وجهه يبقى ويدوم.
ليس الأمر صفقة، بل ذاكرة إنسانية لا تنسى من وقف معها في لحظة احتياج. غير أن أسمى درجات «سوِّ خيراً وقطِّه بحر» هي أن تفعل الخير وأنت تدرك أن المقابل الحقيقي ليس هنا.
أن تبتسم في وجه عابر سبيل، أن تُفرِّج كربة، أن تسامح رغم قدرتك على الرد، وأنت موقن أن الله يرى ما في الصدر قبل أن يرى ما في اليد. حينها يتحرر العمل من نزعة الاستعراض، ويتحول إلى عبادة خفية بينك وبين خالقك.
فلسفة الخير دون انتظار مقابل ليست مثالية حالمة، بل ضرورة أخلاقية تحفظ المجتمع من التحول إلى سوق للمصالح المتبادلة. لو أصبح كل فعل خير مشروطاً برد مماثل، لفقد معناه الروحي.
والجمال في أن تعطي لأن العطاء يليق بك، لا لأنك تريد أن يُقال عنك كريم، أو لأنك تنتظر يوماً يُرَدّ فيه الدَّين.
الخير أيضاً ليس مالاً فقط؛ قد يكون كلمة صادقة في وقت يكثر فيه الزيف، أو دعماً معنوياً لشخص يوشك على الاستسلام، أو حتى كفَّ أذى كان يمكن أن يصدر منك.
وكم من «شرٍّ صغير» تجنبناه فعاد علينا راحةً وطمأنينة. فالقاعدة لا تعمل في اتجاه واحد؛ كما أن الخير يعود، كذلك الشر، وربما كانت عودته أشد وقعاً.
«سوِّ خيراً وقطِّه بحر» دعوة إلى الثقة بأن الله أعدل من أن يضيع عملاً صالحاً، وأكرم من أن يبخس نيةً صادقة، وأعلم من أن تختلط عليه الدوافع.
افعل الخير لأنك تؤمن أن بذرة الخير في داخلك تحتاج أن تُسقى. افعل الخير لأنك تريد أن تنام وضميرك مطمئن. افعل الخير لأنك تدرك أن ما عند الله خير وأبقى.
وإذا عاد إليك الخير يوماً من حيث لا تحتسب، فابتسم وقل في سرك: «لم يذهب إلى البحر، بل كان في طريقه إليّ طوال الوقت».