حين رأيت مقاطع لاحتفالات أهالي سترة بعيد الأضحى المبارك، وكذلك الاحتفالات في الدراز بصعود نادي الاتفاق الى دوري ناصر بن حمد الممتاز لكرة القدم، والاحتفال الكبير في قرية باربار بمناسبة فوز نادي باربار ببطولة دوري خالد بن حمد لكرة اليد، ثم رأيت الحضور من أهالي القرى لمسرحية «يا أني يا أنت»، وهي مسرحية كوميدية بحرينية عُرضت في العيد، شعرت بالاطمئنان؛ لأن تلك المقاطع تدحض كل ما يقوله وكلاء إيران ممن هم خارج البحرين.

فتلك المقاطع تُثبت أنه بالإمكان لأبناء الطائفة الشيعية الكريمة أن يمارسوا حياتهم بشكل طبيعي دونما حاجة «لمجلس علمائي» يقيّدهم ويحول بينهم وبين الفرح، وبينهم وبين المشاركات العامة. هذا الواقع جسّدته تلك المقاطع بشكل عفوي وتلقائي.

ذلك لا يعني أن الناس في تلك المناطق، لم تكن تفرح، ولم تكن تسافر، ولم تكن تعيش اللحظة حين كان وكلاء إيران موجودين بينهم، إنما القصد أن هذا الاندماج السريع في رتم الحياة ليؤكد بأن الناس بدأت تستشعر أن الكرامة والعزة باقية لهم، إنما تحت راية الوطن وفي حمى أهلها ورجال أمنها، وأنهم ليسوا بحاجة لما سُمّي بالمجلس العلمائي ليعيشوها ويتمتعوا بها كما حاولوا أن يقنعوهم.

حملت تلك المقاطع صورة حيّة للمواطن الحُر المستقل بذاته وفكره، عزيز النفس الذي لا يقبل ذلاً أياً كان، حتى وإن كان معمماً، كرامته مُصانة تحت راية الدولة وحمايتها، وهي الصورة التي لابد من ترسيخها وتثبيتها، خاصة في ذهنية الفتية الذين للتو بدؤوا الانطلاق للحياة في كافة قرى البحرين.

إن نشر هذا الإحساس والتأكيد على معانيه، أي الشعور بالحرية والاستقلالية وبالعزة والكرامة تحت راية الوطن في المناطق المحررة، هو المشروع التالي للدولة، ولن يتم ذلك دون أن يتم تجفيف كافة منابع الإرهاب وتابعي الحرس الثوري الإيراني من تلك المناطق.

إزالة عوازل الدمج والانصهار الوطني المتمثلة في حَمَلَة فكر الولي الفقيه، الذين حالوا بين الناس وبين الدولة، هي أول المهام في مشروع الدولة.

التوجّه مباشرة للمجموعات التي كانت تقود عملية العزل، فهم الأدوات الخاصة بالولي الإيراني وحرسه الثوري، أياً كانت مكانة تلك المجموعات الاجتماعية، معممون أو تابعون لهم، هؤلاء لا مكان لهم في البحرين من مايو 2026، حتى يتأكد أهالي تلك القرى أنهم في مأمن من ترهيبهم، وأنهم يستطيعون أن يعيشوا حياة طبيعية في مناطقهم دونما حاجة لمغادرة قراهم والابتعاد بأبنائهم عن بؤر التوتر.

إن النشاط الأمني في القبض مُنصَبٌّ على الأدوات الإيرانية مباشرة، وهذه الفترة يعمل على إنجاز المهمة الأولى في مشروع إعادة الدمج والبناء، فسيتركز في رصد كل من يحرض ويجيّش الناس ضد الدولة، ويمنعهم من المشاركة في الفعاليات الاجتماعية، أو يحرّضهم على الخروج والتصادم مع رجال الأمن بمخالفة القانون.

اختلفت سياسة الدولة الآن، فالهدف هو المحرّض، ورؤوس الفتنة هم من تتجه لهم الأجهزة الأمنية، لا الوقود ولا المضللون من الصغار والشباب، بل أبواق التضليل رأساً، أياً كان موقعه الاجتماعي، فلا خطوط حمراء تحول بين الدولة وبينهم.

الخطوة الثانية هي بوضع اليد على أدوات التحكّم والسيطرة على تلك المناطق بالترغيب والتهديد كالمؤسسات الدينية، والمؤسسات المالية، والمؤسسات الاجتماعية التابعة لفكر الولي الفقيه لا التابعة للشيعة كما يحاولون الترويج والتضليل، جميعها كانت أدوات ووسائل تحكّم وسيطرة على أهالي المناطق التي أحكموا خناقهم عليها طوال العقود الماضية، كانوا دولة داخل دولة مع الأسف.

الدولة تحرّر قرى البحرين من بلطجيتهم ومن قياداتهم الإيرانية، لتمنح لأبناء تلك المناطق الحرية والقدرة على التنفّس دونما خوف.

الدولة مُصمِّمة هذه المرة، كما لم تكن من قبل، على إعادة ترتيب البيت البحريني وإعادة الروح للهوية البحرينية العربية الخليجية لجميع أبناء البحرين وجميع مناطقها، دون المساس بالهوية المذهبية الجعفرية فكلتاهما لا يتعارضان.

إن نحّينا ولاية الفقيه جانباً، فلن يَحُول المذهب الاثني عشري بين معتنقه وبين ولائه لدولته، وهذه هي المهمة الأولى ولن يستطع أحد أن يَحُول بين تلك المهمة الوطنية والدولة وأجهزتها.

يتبع..