تُعدّ «لكن» مِنْ أهمّ أدواتِ الاستدراك في اللغة العربية؛ إذ تؤدّي وظيفةً دقيقة تتمَثّلُ في تصحيح معنى سابقٍ أو تقييده، أو الإشارةِ إلى ما يخالُفه، وبالتّالي فهي أداة ضرورية لضبط المعنى وتوازنِ الجُملة، كما في قول الشاعر كلثوم العتابي:
وليْس أخي مَنْ وَدّني رأي عينهَ
ولكنْ أخي مَنْ ودّني في المغايب
ورغم وضوح وظيفتها اللغوية، فإنّ الاستخدام اليومي لـ«لكن» قد ينحرفُ عن دوره حينَ يستخدمها مَنْ يشتهي الجدال مِنْ أجْلِ الجدال لا مِنْ أجل الحقيقة؛ إذ يقومُ على التعقيب الدائم على كلام الآخرين دُون سببٍ أو حاجةٍ إلى ذلك.
فقد يعبّر أحدهم عنْ إعجابه بكتابٍ، فيُقابل سريعاً: «نعم، لكن أسلوبه صعب»، أو يذكر آخر إنجازه عملاً في الوقت المحدد، فيُقال له: «لكن كان يمكنُ أن يكون أفضل». وقد تُطرح فكرة للنقاش، فيُردّ عليها مباشرة: «لكنها ليست مهمّة».
ومع تكرار هذا الأسلوب، يتحوّل الحوار مِنْ مساحة للتّفاعل وتبادل الرأي إلى سلسلةٍ مِنَ الاعتراضات والتعقيبات، واستعراضٍ للآراء، خاصة إذا كان الاستدراكُ خاليًا مِنَ التمهيد الإيجابي أو الاعتراف بالجوانب الجيدة للمحاور.
ويشيع هذا الأسلوب عند غير المتخصصين ممن يظنّون أنّ كلّ قولٍ لا بُدّ أن يُعقَّب عليه، وقد أشار إلى ذلك ابن حزم بقوله:
«لا آفة على العلوم وأهلها أضرّ من الدخلاء فيها وهم مِنْ غير أهلها؛ فإنّهم يجهلون ويظنّون أنّهم يعلمون، ويفسدون ويقدّرون أنهم يصلحون» «الأخلاق والسير في مداواة النفوس، ص: 23».
وقد يبلغ استخدام كلمة «لكن» حدّ العناد، كما في مواقف يصرّ فيها بعضهم على الاعتراض والمحاجّة في أيّ شيء، حتى يتحوّل النقاش إلى جدل عقيم وشخصنة مؤذية.
ولا يخفى على ذي لبّ أنّ الإفراط في الاستدراكات يضعف جودة التواصل؛ إذ يشعر الطرف الآخر بأن تركيز المستدرك ينصبّ على السلبيات، أو أنه لإبراز عضلات التّعالم، مما يقلّل مِنْ رغبته في المشاركة أو طرح الأفكار.
ولا يعني هذا الدعوة إلى إلغاء «لكن» أو تجنّب النقد، بل إلى استخدامها بمزيدٍ مِنَ التوازن والوعي، وتحسين طريقة استعمالها بلطف، حتى لا تتحوّل إلى صورة اعتراض ورفض دائم.
- شمعة أخيرة: إذا كان الاستدراك بدافع البحث العلمي وإظهار الحق، فهو أمر محمود ومطلوب. وقد عرف العلماء الاستدراك فيما بينهم، بل دوّنوا فيه مؤلفات نافعة.
ومن أجمل صوره استدراك العالم على نفسه، لما فيه من نزاهة علمية، وحرص على الصواب، كما فعل العالم الحنبلي الشيخ سليمان الطوفي في بعض مباحثه من كتاب شرح مختصر الروضة.