في الحياة العامة، لا شيء يُربك المشهد أكثر من ازدواجية المعايير. أن تؤمن بحقك الكامل في النقد، لكنك في المقابل ترفض أن تكون جزءاً من دائرة النقد ذاتها، فذلك لا يُعد موقفاً بقدر ما هو تناقض صريح في فهم الدور والمسؤولية.
ما شهدناه مؤخراً من ردود فعل غاضبة أو ما يمكن تسميته محلياً بـ«الزعل» على خلفية حديث الوزير السابق السيد زايد بن راشد الزياني في إحدى حلقات البودكاست، يطرح هذا التساؤل المشروع متى أصبح إبداء الرأي في أداء مجلس منتخب، تجاوزاً على هيبته؟
الحلقة، التي اتسمت بقدرٍ عالٍ من الصراحة وغزارة المعلومات، لم تمر مرور الكرام على بعض أعضاء مجلس النواب، لا لشيء سوى أن المتحدث تطرّق إلى تقييم أداء المجلس الحالي من زاويته الخاصة. وهو تقييم اتفقنا معه أو اختلفنا يظل رأياً، لا أكثر. لكن المفارقة أن هذا الرأي قوبل باعتباره إساءة، أو تقليلاً من شأن السلطة التشريعية، بل ذهب البعض إلى أبعد من ذلك، حين ربط بين انتقاد أداء النواب وانتقاد المشروع الإصلاحي ذاته.
وهنا مكمن الإشكال، فمن اعتاد مساءلة ممثلي السلطة التنفيذية، ورفع سقف الخطاب تحت قبة البرلمان، بل والخروج أحياناً عن السياق العام للحوار بدعوى أن ذلك جزء من أدوات الرقابة البرلمانية، لا يمكنه منطقياً أن ينزعج من ممارسة الحق ذاته عليه. المساءلة، كما هي حق أصيل للمجلس، هي أيضاً حق أصيل للمواطن، كفله الدستور دون تجريح أو إساءة.
مجلس النواب هو إحدى ثمرات المشروع الإصلاحي لجلالة الملك المعظم، نعم. لكنه ليس الثمرة الوحيدة. الرأي الحر، والنقد البنّاء، والمشاركة المجتمعية الواعية، كلها أيضاً من ذات الشجرة. وحين يُفهم أي انتقاد لأداء نائب أو مجموعة من النواب على أنه انتقاد للمشروع الإصلاحي برمّته، فإننا نكون قد خلطنا بين المؤسسة وأدائها، وبين الفكرة وتجلياتها.
الناس تحكم. وكل فصل تشريعي يحمل في طياته نجاحات وإخفاقات. وإذا كان هناك من يرى أن أداء هذا الفصل دون المأمول، فذلك رأي عام لا يُواجه بالغضب، بل بالنتائج. لا بالبيانات، بل بالمخرجات. من حق النواب أن يرفضوا هذا التقييم، بل أن يفندوه، لكن عبر ما أنجزوه خلال دور الانعقاد، لا عبر مصادرة حق الآخرين في التعبير.
في نهاية المطاف، لا المجلس في خصومة مع المواطن، ولا المواطن في مواجهة مع المجلس. أنتم في السلطة التشريعية، ومن في السلطة التنفيذية، ونحن في عموم المجتمع، شركاء في ذات الهدف الارتقاء بهذا الوطن. وليس من أدوار أحد أن يصادر صوت الآخر، أو يُضيّق برأيه، ما دام في إطار الاحترام والمسؤولية.
فالاختلاف لا يُضعف المشروع، بل يحميه.