انتهيت في مقالتي السابقة إلى أن أعظم ما يمكن أن نقدمه في هذا الشهر المبارك، ليس كثرة ما نعطي بل كيف نعطي، وأن نختار الأفضل؛ نغلفه بالاحترام ونحرص أن يكون عطاؤنا خالصاً لله، حينها يصبح التكافل عبادة مكتملة، ويصبح الإحسان رفعة للطرفين معاً.

هذه الفكرة يمكن أن نلمسها بكل وضوح في المبادرة الرائدة التي أطلقتها المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، تحت شعار «دينار في الشهر»، بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاماً على تأسيسها، حيث تتيح لأفراد ومؤسسات المجتمع المساهمة في دعم الأيتام المسجلين لديها عبر استقطاع شهري بسيط بقيمة دينار واحد.

مبادرة نوعية تجسد المعاني السامية والمبدأ التربوي والسلوكي للحديث النبوي الشريف «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل»، إلى جانب ما تعكسه من إيمان بضرورة ترسيخ ثقافة العطاء المستدام، عبر شراكة مع مختلف فئات المجتمع، وبما يتيح لهم بأن يكونوا شركاء حقيقيين في رعاية الأيتام، عبر دعم ما تقدمه المؤسسة من برامج تعليمية وصحية وتأهيلية واجتماعية.

ولا شك أن «الدينار»، وإن كان مبلغاً بسيطاً، فإنه يمثل قيمة كبيرة في مفهوم العطاء والتكافل المجتمعي، الذي تميز به شعب البحرين عبر تاريخه الطويل، كما أنه يعتبر رافداً أساسياً للمشاريع والمبادرات التي تقوم بها المؤسسة، وتطويرها بما يتوافق مع احتياجات الأيتام، وهو استدامة وضمان لمواصلة العطاء.

وفي رأيي الشخصي؛ فإن أجمل ما في هذه المبادرة أنها لا تبحث عن تبرع موسمي، بل إنها تؤسس لالتزام واستمرار، يجعل من العطاء عادة دائمة وراسخة في حياة الفرد، دينار واحد قد لا نشعر به وهو يغادر حسابنا، لكنه حين يتكرر ويتكاثر بأيدي الآلاف، يتحول إلى أثر حقيقي يغير تفاصيل حياة يتيم، أو يفتح باب فرصة تعليم، أو يطمئن أسرة على مستقبل أبنائها.

إن قوة الفكرة تكمن في الرسالة التي تحملها بأن المسؤولية الاجتماعية ليست مسؤولية فئة في المجتمع دون أخرى، بل هي مساحة مفتوحة للجميع، كل يشارك حسب استطاعته، لأنه حين تتسع دائرة المشاركة يصبح التكافل فعلاً جماعياً واعياً وليس مبادرة فردية معزولة، ويصبح المجتمع بأسره شريكا في صناعة الأثر.

من هنا، فإن مبادة «دينار في الشهر» تمثل دعوة لإعادة تعريف مفهوم العطاء في وعينا اليومي، أن نمنح باستمرار، فرب دينار داوم عليه صاحبه، كان عند الله أعظم من كثير انقطع، وكان في حياة يتيم بداية طريق جديد.