اليوم، لم يعد التعب إرهاقاً جسدياً من قلة النوم أو كثرة المشاغل، بل أصبح تعباً داخلياً يتسلل إلينا بهدوء. نركض خلف الالتزامات، ونلاحق توقعات الناس، ونحاول إرضاء الجميع، وفي النهاية نكتشف أننا نسينا إرضاء أنفسنا.
هنا تبرز الحكمة المنسوبة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اعتزل ما يؤذيك». عبارة قصيرة، لكنها لو طُبّقت فعلاً، لاختصرت نصف مشاكلنا، وربما وفّرت كثيراً من «الدراما» اليومية»!
في رمضان تحديداً، نبحث عن السكينة، عن الطمأنينة، عن صفاء القلب. نصوم لنرتقي، لا لنزيد توتراً فوق توترنا. لكن المشكلة أن بعض الناس يتخصصون في تعكير الأجواء.
هناك من لا يبدأ حديثه إلا بنقد، ولا ينهيه إلا بتشاؤم. تسأله: كيف الحال؟! يجيبك بمحاضرة سوداوية عما مر به طوال أربعة عقود! يعطيك «قصة حياته» بالتفصيل. وهنا تلوم نفسك وتقول: «ليتني ما سألت»!
هناك فئة أخرى أخطر، هم عشاق نقل الكلام، وهواة «قال فلان عنك»، و»تدري شنو صار؟!». هؤلاء لا يحتاجون للإنترنت؛ فإشاعاتهم تصل أسرع من شبكة الجيل الخامس! ينقلون الحديث من مجلس إلى مجلس، ثم يجلسون يتفرجون على النتائج وكأنهم لم يفعلوا شيئاً.
وجود مثل هؤلاء في محيطك يشبه وضع ملعقة ملح زائدة في طبقك الرمضاني ليفسد الطعم كله، حتى لو كان ممتازاً.
المشكلة ليست فقط في الضيق اللحظي، بل في الأثر التراكمي. كثرة السلبية تُطفئ الحماس. كثرة النميمة تُضعف الثقة. كثرة إثارة الفتن تجعل القلب في حالة حذر دائم. ومع الوقت، تجد نفسك مرهقاً، لا من العمل، بل من البشر.
لهذا فإن «اعتزل ما يؤذيك» لا تعني أن تعيش وحدك في كهف، ولا أن تحذف نصف قائمة جهات الاتصال دفعة واحدة، رغم أن الفكرة مغرية أحياناً. لكنها تعني أن تمارس وعياً مستمراً، وهنا اسأل نفسك دوماً: من يضيف إلى حياتي طمأنينة؟! من يسرق طاقتي في كل لقاء؟! من يفرح لنجاحي؟! ومن يبحث عن زلة ليحوّلها إلى قصة الموسم؟!
رمضان فرصة عظيمة لـ»فلترة» العلاقات. تماماً كما نُنظف بيوتنا قبل العيد، نحن بحاجة أحياناً لتنظيف دوائرنا الاجتماعية. ليس بقسوة، بل بهدوء. نقلل الاحتكاك بمن يثير الفتن، نبتعد عن مجالس الغيبة، نغلق باب الحديث الذي يبدأ بسوء الظن.
الإنسان لا يدرك أحياناً أن أكثر ما يؤذيه ليست المواقف، بل الأشخاص الذين يُضخمون المواقف. وليست الأحداث، بل من يسكب عليها زيت التأويل والشك.
تذكّر أن سلامك الداخلي عبادة أيضاً. وأن صفاء قلبك في هذا الشهر المبارك أثمن من أن يُستهلك في متابعة كلام منقول أو جدال لا ينتهي.
اعتزل ما يؤذيك، ليس لأنك حساس زيادة، ولا لأنك لا تتحمّل، بل لأن قلبك يستحق أن يعيش بهدوء. اختر صحبتك كما تختار طعامك في الإفطار، ما يغذيك لا ما يثقلك. وابتعد عن كل من يجعل يومك أطول مما ينبغي.رمضان فرصة لترتيب الداخل، وأحياناً أول خطوة في الترتيب، بأن تُقلّل الضجيج البشري من حولك.