د. سهير بنت سند المهندي

في عالم الإدارة العامة، المواقع القيادية لا تُمنح بقرار عابر، بل تُبنى عبر مسار طويل من الانضباط المؤسسي والنتائج القابلة للقياس، الدول التي تستثمر في منظومتها الرقابية وتربطها برؤية وطنية واضحة تجد نفسها داخل دوائر القرار الدولي، انتخاب الأمين العام للتظلمات غادة حبيب مديراً لمنطقة آسيا في مجلس إدارة المعهد الدولي لأمناء المظالم (IOI) يأتي في هذا السياق؛ تتويج لمسار متراكم، يعكس حضوراً بحرينياً واثقاً في واحدة من أكبر الشبكات الرقابية في العالم.

المعهد يضم أكثر من 200 مؤسسة مستقلة موزعة على 5 قارات، ويعمل عبر 6 مكاتب إقليمية تمثل مراكز ثقل في تطوير المعايير المهنية، وصياغة اللوائح، وبناء القدرات، وتبادل الخبرات. التمثيل الآسيوي داخل هذا المجلس يعني التأثير في منظومة تخدم ملايين الأفراد، وترسم ملامح العدالة الإدارية وحماية الحقوق على نطاق واسع.

هذا الموقع يعكس ثقة دولية في التجربة البحرينية في الرقابة المستقلة، ويؤكد أن المملكة لم تُعد جزءاً من المشهد فحسب، بل شريكاً في صياغته. غير أن القراءة الأعمق لهذا الإنجاز تكشف بُعداً وطنياً أشمل: مسؤولية وطنية تتجدد، وتكامل مؤسسي يتعزز بروح الفريق الوطني، توزيع الأدوار بين الجهات المعنية، والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والدبلوماسية والرقابية، جسّد نموذجاً عملياً للتعاون المنتج؛ نموذج يقوم على وضوح الاختصاص، وتكامل الجهود، والالتزام بهدف أعلى يتمثل في تعزيز حقوق الإنسان بمختلف مستوياتها.

عندما تعمل المؤسسات ضمن منظومة واحدة، بروح مواطنة حقيقية، تتحول الإنجازات إلى نتيجة طبيعية. دعم وزارة الداخلية، والتحرك الدبلوماسي لوزارة الخارجية، وتكاتف الشركاء الوطنيين، شكّل شبكة عمل مترابطة رفعت من كفاءة الأداء، وعززت صورة البحرين في المحافل الدولية. الأرقام هنا تمنح الصورة دقتها: أكثر من 200 عضو مؤسسي، تمثيل عالمي واسع، مئات البرامج التدريبية والورش البحثية سنوياً، ومنظومة إقليمية تتيح تبادل الخبرات بصورة مستمرة.

كما يتجلى في هذا الانتخاب بعدٌ استراتيجي يرتبط بتمكين المرأة، غادة حبيب أول امرأة من المنطقة تتولى هذا المنصب، في انعكاس لسياسات وطنية جعلت من تمكين الكفاءات النسائية جزءاً من معادلة التنمية المؤسسية. الحضور البحريني في مواقع القرار الدولية أصبح يعبّر عن نضج التجربة، لا عن ظرف عابر.

بهذا التطور، يتقدّم اسم البحرين في خارطة العمل الرقابي والحقوقي العالمي، موقع قيادي داخل شبكة تضم أكثر من مائتي جهة، وتأثير مباشر في صياغة السياسات الآسيوية، ورسالة واضحة مفادها أن العمل المؤسسي المتكامل، حين يستند إلى روح وطنية جامعة، قادر على تحويل الثقة الدولية إلى مسؤولية أكبر، وإنجازات متواصلة، وحضور راسخ في دوائر القرار.