مع بداية رمضان كل عام تظهر إلى الواجهة الصورة المتداولة التي تُبرز دقة تقويم العالم الفلكي صالح العجيري؛ ذلك التقويم الذي حافظ على حضوره في الوعي الشعبي لسنوات طويلة، حتى صار مرجعًا يتعامل معه الناس بوصفه جزءًا من طقوس الشهر، وفي كل موسم تعود العبارات نفسها: «يصيب للسنة العاشرة»، ويُذكر أن الرجل حافظ على دقته طوال نصف قرن، وتتصاعد نقاشات تمتد بين الفلكيين ومتابعي الموروث الفلكي الخليجي حول سر هذا الثبات، غير أن جوهر الحكاية يكمن في السيرة التي أنتجت هذه الدقة، وفي حياة رجل قضى عمره يتتبع حركة السماء ويرسم إيقاع الزمن على طريقته.

الدكتور صالح العجيري شخصية لا تختزلها كلمة «فلكي» فهو صفحة من تاريخ الخليج الحديث؛ خرج من بيئة الكتاتيب ليستقر في فضاءات الحسابات الكونية، وانتقل من بساطة البادية إلى هندسة الأفلاك وتحوّلاتها، وفي المقابلة التي أجراها معه الراحل د.يوسف محمد في برنامج «عزوتي وناسي» تتسع الذاكرة لتشمل البحرين كما لو أنها جزء من طفولته الأولى، فيروي أن أول خيط ربطه بالبحرين يعود إلى عام 1928 حين وصلت إلى الكويت عبوات «البلاليط» البحرينية، فالتقط طفلٌ صغير غلافًا على الأرض وقرأ عبارة «جلالة ملك البحرين»، وتلك اللحظة البسيطة خلّفت في ذاكرته أثرًا بقي حاضرًا دائماَ في ذكرياته.

ويواصل شهادته عن البحرين في خمسينيات القرن الماضي، فيتحدّث عن ريادتها في الصحافة والإذاعة والمحاكم والتعليم النظامي، ويستعيد زيارته عام 1952 عندما جاء محاسبًا لفرع تجاري، ويروي تفاصيل يومية من تلك الرحلة، زيارة قلعة البرتغال، لقاء المرحوم أحمد العمران، ومواقف اجتماعية بسيطة مثل غسل اليدين عند العشاء من صنابير المياه، مشاهد صغيرة تكشف روح المكان وتمنح الذاكرة الخليجية ملمسًا حيًّا.

وفي مسار آخر من سيرته يروي الدافع الأول لدخوله عالم الفلك، الظواهر الطبيعية كانت تثير خوف الطفل الصغير؛ الرعد، البرق، الظلام، ومع مرور الوقت تحوّل هذا الخوف إلى باب للبحث، فكان يتعامل مع تلك الظواهر بوصفها إشارات تحتاج إلى فهم، وهذا التحول يكشف جانبًا مهمًا في شخصيته، وهي قدرة على تحويل القلق الأولي إلى معرفة، وبناء رؤية علمية تنمو مع الزمن.

وتبرز بادية الرشايدة بوصفها محطة تأسيسية في حياته، حيث أرسله والده إليها ليتعلم الفروسية وقسوة الطبيعة، وهناك عرف الجهات عبر نجم الجدي، وتعلم قراءة حركة الرمال لتحديد اتجاه الريح، واكتشف السماء الرحبة التي أصبحت جزءًا من أدواته العلمية لاحقًا، وتلك البيئة القاسية صاغت لديه قدرة على مراقبة التفاصيل، وفتحت أمامه طريقًا يرى فيه الكون امتدادًا لحياة الإنسان اليومية.

ثم جاءت رحلته إلى القاهرة، وهي من أكثر محطات حياته رمزية، فسافر بحثًا عن العالم المصري عبد الحميد مرسي، بعد أن صادفه كتاب طرح عليه مسائل لم يجد لها حلًا، فقطع طريقًا طويلًا عبر البصرة وبغداد وبيروت حتى وصل إلى الإسكندرية ومنها إلى القاهرة، رحلة استغرقت أيامًا متواصلة، وكان هدفه كتابًا واحدًا، لكنه عاد محمّلًا بسبعين كتابًا نادرًا حصل عليها من مكتبة أستاذ آخر، حملها في ثلاث شنط كبيرة، وهذه الكتب صارت نواة مشروعه العلمي الذي بُني خلال عقود.

أما قصة التقويم فتمثل فصلًا آخر من حياته، فبدأ أول نسخة بالقلم الرصاص، ثم طبعها في بغداد عام 1944 على ورق ملون بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، وبعد ذلك تنقلت طباعته بين اليابان وسوريا ولبنان وباكستان ونابلس، ومع كل طبعة كان يضيف ويطوّر ويعيد الحساب بدقة أكبر، ولم يكن التقويم مشروعًا شخصيًا يظهر ليعلن عن صاحبه، وإنما مسارًا علميًا يتراكم عامًا بعد عام حتى أصبح جزءًا من الذاكرة الشعبية.

وفي الجانب الإنساني يكشف العجيري تفاصيل تُظهر ملامح شخصيته خارج نطاق العلم، وهي مشاركته المسرحية في الخمسينيات، احتفاظه بشنطته المدرسية لثمانين عامًا، ومجموعته من الساعات القديمة، الأسطرلاب المنسوب للخوارزمي، وصداقاته المبكرة مع متعلمي الكويت والبحرين، وهذه اللمحات تكشف رجلًا عاش العلم بوصفه قيمة يومية، لا لقبًا أكاديميًا.

وجاء تدشين تقويم العجيري في مملكة البحرين عام 2024 ليضيف علامة جديدة في حضور هذا الإرث العلمي داخل الوعي الخليجي، ويمنح سيرة الرجل امتدادًا يواصل طريقه بين الأجيال، وهكذا، كلما عاد رمضان وعاد الجدل حول دقّة التقويم، يعود الناس إلى تقويمه، ويعيدون تداول مواقيته، ويقارنونها بالحسابات الرسمية، غير أن ارتباطهم به لا يتوقف عند حدود الدقة الفلكية، وإنما يعود إلى شخصية صنعت علاقة خاصة بين الإنسان والزمن، ووضعت بصمتها على دورة الأشهر والسنوات في الوعي الخليجي، فهو في جوهره جزء من ذاكرة المنطقة، وصوت من أصوات جيل تجاوز حدود التعليم التقليدي ليكتب سيرته عبر الكتب والنجوم وروايات الحياة الأولى.