سلسلة اعتداءات إيرانية مستمرة تمثلت في إطلاق صواريخ ومسيرات باتجاه جميع دول مجلس التعاون الخليجي، بما فيها مملكة البحرين، في حين نتج عن الهجوم العسكري الأمريكي الإسرائيلي مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، الأمر الذي يكشف حجم التحول الذي طرأ على المشهد الإقليمي، وأبرز في الوقت ذاته عمق المأزق الاستراتيجي الذي وضعت طهران نفسها فيه.
الاعتداءات الإيرانية سبقت مقتل خامنئي، وجاءت في سياق تصعيد متدرج اتسم برفع سقف المواجهة مع الجوار المباشر. هذا المسار نقل العلاقة من حالة التوتر القابل للاحتواء إلى مستوى استهداف مباشر للأمن الجماعي الخليجي، وهو ما أحدث صدمة سياسية وأمنية في المنطقة. ومع اتساع نطاق الهجمات لتشمل جميع دول المجلس، لم يعد الأمر يُنظر إليه كخلاف ثنائي، بل كتهديد شامل لمنظومة إقليمية متكاملة.
المفارقة أن دول الخليج العربي، رغم تاريخ طويل من التوترات مع طهران، ظلت -دولنا- تمثل لإيران مساحة توازن وضمانة إقليمية مهمة. فعلى مدار سنوات، سعت العواصم الخليجية إلى تجنب الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وأبقت قنوات التواصل مفتوحة، انطلاقاً من إدراكها أن أي حرب واسعة لن يكون فيها منتصر حقيقي. وحتى في ذروة التوترات السابقة، ظل هناك هامش للتهدئة يمكن البناء عليه.
غير أن قرار استهداف الجوار بالصواريخ والمسيرات مثّل نقطة تحول حاسمة. فبدلاً من الحفاظ على ما تبقى من مساحات الثقة، اختارت طهران حرق أوراقها دفعة واحدة. ومع مقتل خامنئي في خضم هذا التصعيد، دخلت إيران مرحلة انتقالية داخلية في توقيت إقليمي شديد التعقيد، بعدما كانت قد خسرت بالفعل جزءاً كبيراً من رصيدها السياسي لدى أقرب محيط جغرافي لها.
الخطأ الاستراتيجي لا يكمن فقط في فتح جبهة مع دول الخليج العربي، بل في توقيت ذلك بالتزامن مع مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وقوى دولية قادرة على تشكيل تحالفات واسعة. فخسارة الجوار تعني فقدان عمق إقليمي كان يمكن أن يخفف الضغوط أو يساهم في احتواء التصعيد. وعندما تشعر جميع دول مجلس التعاون بأنها مستهدفة، يصبح توحيد الصف وتعزيز الشراكات الدفاعية خياراً طبيعياً، لا مجرد احتمال نظري.
ومع ما تمتلكه هذه الدول من قدرات اقتصادية وعسكرية وتحالفات راسخة، فإن البيئة الإقليمية التي تواجهها إيران اليوم تختلف جذرياً عما كانت عليه قبل هذا التصعيد. لقد انتقلت من وضع كانت فيه بعض العواصم الخليجية تسعى إلى تجنيبها الأسوأ، إلى مشهد إقليمي أكثر تماسكاً وأقل استعداداً لمنحها هامش المناورة.
في الداخل الإيراني، يتقاطع هذا المشهد مع مرحلة حساسة من إعادة ترتيب السلطة بعد مقتل المرشد. القيادة المقبلة ستجد نفسها أمام إرث ثقيل، تصعيد عسكري واسع، علاقات متوترة مع الجوار، وضغوط دولية متصاعدة. والشعب الإيراني، الذي لم يكن طرفاً في قرار المواجهة، سيظل الأكثر تأثراً بتداعيات العزلة والعقوبات والتوترات الأمنية.
لقد كانت دول الخليج العربي، بحكم الجغرافيا والمصالح المتبادلة، ضمانة طبيعية لإيران مهما بلغت حدة الخلافات. لكن خيار التصعيد المباشر أضعف هذه الضمانة إلى حد بعيد. وما جرى يطرح سؤالاً جوهرياً أمام صناع القرار في طهران، هل تستمر المرحلة المقبلة في نهج المواجهة، أم تُعاد قراءة المشهد بواقعية سياسية تعترف بأن استعداء الجيران ليس مدخلاً لتعزيز القوة، بل وصفة لتقليص الخيارات؟!
المنطقة تقف اليوم عند مفترق طرق واضح. غير أن الثابت في معادلات الجغرافيا السياسية أن خسارة الجوار المباشر نادراً ما تكون مكسباً لأي دولة، وأن استعادة الثقة، متى ما تآكلت، تكون أكثر صعوبة من الحفاظ عليها.