عثمان عادل العباسي

في صباح السبت الماضي، في يوم رمضاني جميل، والجو ما زال فيه شيء من برودة محببة قبل أن يغادرنا هذا اللطف، خرجت من البيت وأنا في مزاج نادر: هدوء، بلا تصفح، بلا أخبار، وبلا إضاعة وقت في ذلك العالم الرقمي الذي لا يشبع. قلت: اليوم أعيش الصباح كما هو. كان ينقصه فقط كوب شاي، لكن الصيام له رأي آخر، فاكتفيت بأن أرتشف الجو.

ثم انقلب المشهد فجأة.دوّت الصفارات، وبعدها جاء تنبيه الهاتف بصوت مختلف تماماً، لا يشبه إشعارات العروض ولا رسائل التطبيقات ولا حتى منبّهات المجموعات العائلية. كان صوتاً جاداً، كأنه يقول لك: اترك كل شيء الآن وانتبه.

وأنا أقود السيارة، بدأت التعليمات تتوالى، تحثّنا على الحذر والتوجّه إلى المكان الآمن. كنت على شارع الفاتح متجهاً إلى جسر الحد، وحين لاح لي الدخان متصاعداً من جهة الجفير، قررت الالتفاف وسلوك طريق آخر، التزاماً بالتعليمات وابتعاداً عن موقع الحادث. يومها شعرت أن التكنولوجيا ليست مجرد شاشة براقة أو هاتف جديد.

أحياناً تأتي في هيئة رحيمة: صفارة في توقيتها، وتنبيه واضح، وتعليمات مختصرة تنتشل الإنسان من ارتباك اللحظة. وكان في ذلك كله قدر من الطمأنينة؛ إذ لم تكن التكنولوجيا هذه المرة رفاهية نطلب بها قهوة، أو نتابع بها مباراة، بل كانت صوتًا يقف إلى جانب الناس في لحظة حساسة. وما لفتني أيضاً أن ما حدث لم يكن ارتجالًا عابرًا، بل أظهر أن البحرين كانت قد هيأت نفسها سلفًا، واستخدمت التقنية بذكاء وهدوء كأداة من أدوات الأمان العام، لا للعرض ولا للزينة، بل لخدمة الناس حين احتاجوها فعلاً.

حين عدت إلى المنزل وبدأت أتابع الأخبار، كان العالم يتحدث عن الحرب بين أمريكا وإيران، وعن هجوم أمريكي واسع نُفذ بدقة عالية، وكان أكثر ما شدّ انتباهي دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب التحليل العسكري. وتحدثت تقارير موثوقة عن استخدام أدوات ذكاء اصطناعي، منها كلود (Claude)، ضمن أنظمة تساعد على تحليل البيانات وبناء صورة سريعة للميدان ودعم التقييم واتخاذ القرار. تخيّل فقط: التقنية التي نسألها أحياناً عن أفضل مطعم أو عن صياغة رسالة، صارت تُستخدم أيضاً في قراءة مشهد عسكري معقّد فيه صواريخ وقيادات وحسابات دقيقة جداً.

ولم يكد الذهن يستوعب هذا التحول، حتى ظهر مشهد آخر من عالم مختلف تماماً: الصندوق السيادي النرويجي يعلن بصراحة استخدام الذكاء الاصطناعي لفحص الشركات واكتشاف المخاطر وتحليل المؤشرات قبل أن ينتبه لها السوق. هنا تفهم أن المسألة لم تعد تجارب جانبية أو رفاهية تقنية. المسألة أن الذكاء الاصطناعي دخل الحرب، ودخل المال، ودخل السلامة العامة، ودخل الإدارة.

الأجمل أن العالم لم يعد يخجل من ذلك. لم يعد الذكاء الاصطناعي شيئًا يُستخدم بصمت ثم يُوارى في الهامش. صار حاضرًا في العلن، وكأنه موظف جديد في كل مؤسسة: سريع، لا يكلّ، لا يطلب إجازة، لكنه أحيانًا يحتاج إلى مدير عاقل يذكّره أن الحماسة وحدها لا تكفي.

الخلاصة بسيطة: الذكاء الاصطناعي لم يعد لعبة، ولا مجرد وسيلة تسلية، ولا ترفاً لمن يحب الجديد. هو أداة من أدوات هذا العصر، ومن لا يتعلم كيف يفهمها ويستخدمها، سيتأخر كثيرًا، لا عن التقنية فقط، بل عن طريقة عمل العالم كله. وقد يستيقظ يوماً، لا على صفارة إنذار، بل على حقيقة أنه تأخر كثيراً.