عقودٌ من الزمن مَضت ونحن نُجابه الأزمات الوطنية بمنطق «الاحتواء الهش»، ونُردد بمللٍ أسطوانةً مَشرُوخةً تصف الخروج عن الإجماع الوطني بأنه «طيشُ فئةٍ محدودة» أو «جهلُ شبابٍ غُرر بهم». هذه الأدبيات التي سادت طويلاً لامتصاص الاحتقان، لم تَعُد اليوم مجرد تشخيصٍ خاطئ، بل أصبحت نوعاً من تجميل القبح الذي يمنح المحرضين «صك براءة» غير مباشر، فإذا كان الجهل هو المتهم منذ عقود، فكيف لجيلٍ لم يعاصر تلك الإرهاصات أن يرث ذات العداء لوطنه؟ الحقيقة الصادمة التي يجب أن نجهر بها وسط ما نعيشه من تهديدات، هي أننا لا نواجه عفويةً أو جهلاً، بل نواجه «هندسة تحريض» منظمة، تبرع في غسل الأدمغة وتسميم القلوب بذكاءٍ خبيث.

إن ما شهدته الأيام الماضية من اعتداءات صاروخية ومسيرة استهدفت أمن البحرين ومنشآتها المدنية، من العدوان الإيراني، وما رافقها من «نشاز» إعلامي لبعض الأصوات التي هللت لهذا العدوان، يضعنا أمام استحقاق وطني لا يقبل التأجيل. إن سياسة «إمساك العصا من المنتصف» وتصغير الكبائر الوطنية ووصف الابتهاج بضرب الوطن بأنه «تصرف صبياني» هو في الحقيقة تراخٍ يترك «رأس الأفعى» بمنأى عن الحساب. إننا، وبكل صراحة مهنية، نطالب اليوم بأن تتوقف الأقلام والعدسات عن ملاحقة «الرماد» المتطاير في الهواء، وأن تتوجه فوهتها مباشرة نحو «منبع البركان». المشكلة الحقيقية لا تكمن في الحناجر التي هتفت بالخيانة، بل في ذلك «المصنع الفكري» الذي يقنع هؤلاء الشباب بأن هناك ولاءاتٍ عابرة للحدود تسمو فوق الولاء للأرض التي تُظلهم والقيادة التي تحميهم.

إن مسؤولية الحفاظ على النسيج الوطني في ظل هذه الظروف الدقيقة تفرض علينا تجاوز لغة «المسكنات» التي تختزل الكارثة في «جهل الشباب» أو «الجهالوا»، لننتقل نحو مكاشفة حازمة تستأصل «المرض» من أساسه. إن الحفاظ على هذا النسيج لا يتحقق باسترضاء الجميع على حساب أمن الدولة، بل يتطلب اصطفافاً وطنياً صلباً تلتف فيه القلوب بصدق وإخلاص حول القيادة الحكيمة، مؤمنين بأن البحرين وطنٌ للجميع وبكل الجميع، حيث تذوب كل الهويات الضيقة في هوية الوطن الكبرى، وتتحطم أوهام الفتنة أمام وعي مجتمعي يدرك أن حماية الدار تبدأ بقطع ألسنة المحرضين الذين جعلوا من دماء أبنائنا وقوداً لأجندات خارجية لا تريد لنا خيراً.

لقد آن الأوان لنتوقف عن ملاحقة «الأعراض» ونبدأ بمعالجة «المنبع»؛ فالشباب ليسوا سوى مرآة لما يُحقنون به من سموم أيديولوجية. إن الوطن في زمن المواجهة لا يُحمى بالكلمات المائعة، بل بالمواجهة الصريحة التي تضرب الرأس الذي يخطط واللسان الذي يبث الفتنة، لكي لا نجد أنفسنا بعد عقدٍ آخر نردد بذات العجز والذهول: «إنهم جهال لا يعرفون».

- همسة: إن هذا الوطن يتسع لجميع أبنائه، وهو اليوم في أمسّ الحاجة لكل سواعدهم وقلوبهم ليظل عزيزاً شامخاً. ورسالتي لكل شاب انقاد خلف سراب التحريض، لا تضع نفسك في عزلةٍ بعيداً عن أقرانك وإخوانك في الوطن، ولا تتوهم أن الذاكرة الوطنية قصيرة؛ فمن الصعب جداً على شركائك في الأرض والمصير أن ينسوا موقفاً خذلت فيه دارك وبعت فيه أمن وطنك في وقت الشدة، عُد إلى حضن وطنك، فالبحرين بك وبهم أقوى.