أعترف بأنني غارق حتى أخمص قدميّ في التِّيهُ، ويبدو -والله أعلم- أن لعنة الكتابة والحنين إلى العودة لا انفصام لها. وأعترف كذلك بأنني أعطيت أهلي وأقاربي ميثاقاً غليظاً بأن أهجر الصحافة، وقد حرّمتها على نفسي أحد عشر عاماً، لكن الراسخين في الصحافة من أصحابي الأوّلين والعاملين عليها يعلمون علم اليقين أن أمثالي سيظلون مذبذبين بين ذلك وذاك، وحتماً سيعودون وينقضون ميثاقهم بعد أن يتيهوا في الأرض؛ لأن النجاة من أزلام الكتابة أمرٌ لا مفرّ منه.

من أجل ذلك عدنا.. إلى حين.

بين الأنا والآخرة يصادفني أحدهم فيبادر بالسؤال، تعتقد متى تنتهي الحرب؟

سؤال مطروح يطارح لب كل معنى بهذه الحرب، إلا أنا -والعياذ بالله من كلمة «أنا»- فمثلي لا يسأل عن الأسباب بقدر ما يبحث عن النتيجة!

لذا علينا إعادة صياغة السؤال: ماذا نحن فاعلون بعد أن تنتهي هذه الحرب؟

هل سنتعلم مما حدث؟

ماذا نريد نحن كشعوب مجلس التعاون من قيادتنا السياسية أن تفعله كي لا تعود دولنا تحت وطأة وأطماع ومؤامرات وتقسيمات وصواريخ ومسيّرات، المتردية والنطيحة وما أكل السبع؟!

لقد أثبتت الحرب أن دول مجلس التعاون قادرة، بفضل حكمة قادتها وجاهزية قيادتها العسكرية وجيوشها الأبية، أن تناطح وتتصدى وتقهر جيشاً بحجم الجيش الفارسي دون منّة أو تفضّل أو مساعدة من أحد، وأنها استطاعت منفردة ودون مساعدة من قريب أو غريب، التصدي بما لا يقل عن 4900 صاروخ وطائرة مسيّرة، حتى لحظة كتابة هذا المقال.

كما أن الحرب كشفت عن نفائس دفينة، استشعرت في لحظة ما أنها وأدت نتيجة الخلافات السياسية بين الأشقاء الخليجيين، ألا وهي التآخي والمودة بين شعوب مجلس التعاون الخليجي، فقد تجلت وحدتهم وتمسكهم فيما بينهم كالبنيان المرصوص، صَلْدٌ ما تهزه رياح ولا طوفان، أمام جحافل الذباب الإلكتروني الذي غزا فضائهم الإلكتروني من شرق وغرب للهجوم على دولهم، فشاهدنا البحريني يدافع عن أي هجوم يستهدف قطر، وهناك على الطرف الآخر سعودي يَنْقَضُّ على أحدهم وهو يتطاول على الإمارات، وهنا كويتي «يغسل شراع» أحدهم لأنه تكلم بالسوء على السعودية، وكذلك فعل العُماني.

ماذا يعني ذلك؟ واحد لا ثاني له..

نحن شعوب بين حين وآخر تحدث بيننا خلافات، لكن هذه الخلافات عادية ومتعودون عليها من أيام دورات الخليج العربي، لكن هذه الخلافات، كما يقول إخواننا الكويتيون «في بيته»، يعني «إخوان تناشبوا مع بعض، شوي ويرجعون أحباب»، ذلك لأن ما يجمعنا من صهر ونسب وقرابة وعادات وتقاليد ودم وأرض ولغة ودين أكبر مما يفرقنا، يعني على قولة أهل الشرقية: «راسين في طاقية».

الزبدة، أن الخليجيين، شعب واحد يعيش في ست دول، وهي حقيقة لا تقبل الجدل، فكلنا أبناء قبائل وعوائل واحدة تعيش موزّعة في هذه الدول الست، متوحدة منذ الفطرة، قبل ترسيم الحدود وتقسيم الدول، حابب تتأكد، شوفهم في شوارع بيكاديلي والشانزليزية وهم يتمشون: «الله بالخير والله بالنور»، وكأن الربع يتمشون في سوق المحرق عند حلوى شويطر.

و«للحديث بقية».