في واحدة من أغرب المفارقات، نشرت جامعة أمريكية قبل سنوات دراسة أجريت على طلبة ذوي توجهات مختلفة، عرضت عليهم الخبر نفسه، بتفاصيله ونصه، بدون أي تعديل، فكانت النتيجة أن كل مجموعة خرجت باستنتاج يناقض الأخرى تماماً، وكأنهم قرؤوا خبرين لا علاقة بينهما، العجيب أن الجميع كان واثقاً أنه «قرأ الحقيقة كما هي».
منذ ذلك الوقت، وبدأت أشك في عبارة «كما هي» في الحقيقة نحن نحب فكرة أننا نختار مواقفنا، كما نختار ثيابنا صباحاً، عندما نفتح الخزانة، وننظر ما هو الأفضل، ثم نخرج للناس بكامل أناقتنا، لكن في موضوع الأفكار الحقيقة أقرب إلى أننا ورثنا الثوب، ومعه رأي من صنعه، وذوق من يشاهدنا، وتعليقاتهم أيضاً، الأمر لا علاقة له بالكسل الفكري، لأن المسألة ببساطة هي أننا لا نبدأ من فراغ، كل واحد منا يدخل أي نقاش وهو محمّل بحمولة غير مرئية، عبارة عمن نتابع، وبمن نثق، وماذا سمعنا مئة مرة حتى صار بديهياً، وماذا قيل لنا إنه «لا يقال»، ومع الوقت، تتكون لدينا تلك «العدسة» التي لا تلبس ولا تخلع، لكنها تعمل طول الوقت، فنرى من خلالها كل شيء، وننسى أنها موجودة أصلاً، نقرأ خبراً، فنتفق معه، ليس لأنه صحيح بالضرورة، بل لأنه يشبهنا، نشعر بالانزعاج من رأي معين، لا لكونه خاطئاً، بل لأنه لا يشبه دائرتنا، المشكلة ليست في الاختلاف، المشكلة في الشعور بأننا «نفهم كل شيء»، وأن الآخرين، لسبب ما، قرروا أن يخطئوا جماعياً، الأطرف أن الجميع يعيش القصة ذاتها، وكل واحد يعتقد أنه الاستثناء، شخصان يشاهدان الحدث نفسه، أحدهما يرى فضيحة، والآخر يرى بطولة، لأن كل واحد منهما «يترجم» ما يرى بلغته الخاصة، وهنا تتحول النقاشات من محاولة فهم، إلى مباراة جر الحبل، كل طرف يجر إلى جانبه، لا ليصل إلى الحقيقة، بل ليثبت أنه كان يقف في المكان الصحيح منذ البداية، الغريب أننا نختلف كثيراً، لكن بالطريقة نفسها، فكل ما يعتقد أنه يفكر بحرية، بينما نحن غالباً نعيد ترتيب ما سمعناه، ونضيف له لمسة شخصية، ثم نقدمه بثقة وكأنه اكتشاف جديد.
قد لا نتمكن من أن نكون يوماً مستقلين تماماً في أفكارنا، فنحن في النهاية بشر، ولسنا جزراً معزولة، لكن على الأقل، باستطاعتنا أن نفتح نافذة صغيرة في هذه العدسة، لعلنا نرى منظراً تحجبه هذه العدسة، قد يكون منظراً لا يعجبنا لكن على أقل تقدير يعلمنا أن ما كنا نراه واضحاً جداً، قد يكون فقط مألوفاً جداً، وفي النهاية، يبقى السؤال هذا الرأي الذي أدافع عنه بكل قوة، هل هو من اختياري، أم أنه اختارني بهدوء، وأنا فقط تأقلمت معه؟