د. توفيق السباعي

ما يعيشه الخليجُ العربيُّ اليوم هو امتحانٌ تاريخيٌّ لمعنى الدولة، ولصلابة المجتمعات، ولحقيقة الروابط التي تشدُّ دولَه بعضَها إلى بعض. لقد أرادت الاعتداءاتُ الإيرانيةُ الآثمةُ أن تجعل من النار أداةً لإرباك دول الخليج، ومن الترويع وسيلةً لزعزعة استقرارها، غير أن المحصِّلة جاءت على النقيض من ذلك تماماً.

وأولى رسائل الثبات في هذه المواجهة أن القوات المسلحة ومنظومات الدفاع والأجهزة الأمنية وسائر الجهات المساندة في دول الخليج كانت حاضرةً بكفاءة ويقظة وبأس. فأنظمة الدفاع الجوي والإنذار والاعتراض تصدَّت بنجاح لموجات متلاحقة من الصواريخ والطائرات المسيَّرة تجاوز عددها 5000 هجوم صاروخيّ ومسيَّرة (خمسة أضعاف ما أطلقته إيران على إسرائيل) حتى وقت كتابة هذا المقال، فيما ظلَّ المشهد العام منضبطاً، والمؤسسات مستمرةً بأدوارها. وكأن الرسالة الأبلغ التي تبعثها دول الخليج أن قوتها لا تظهر فقط في صدِّ الهجوم، بل في قدرتها على أن تجعل الحياة تمضي، وأن يبقى كل شيء، قدر الإمكان، طبيعيّاً وآمناً وممسوكاً بيد الثقة والانضباط.

كما أن المعركة في حقيقتها لم تكن مع كثافة الهجمات الإيرانية وحدها، بل مع الرسالة التي أرادت أن تحملها هذه الاعتداءات الآثمة من إرهاب المدن، واستنزاف الأعصاب، وضرب الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية والبنى الأساسية، في مشهد لا يشي بردٍّ عابر بقدر ما يكشف أن الخليجَ العربيَّ كان حاضرًا في الحسابات الإيرانية منذ البداية، وأن استقراره ظلَّ، في نظر هذا الجار، موضعَ استهداف كلما سنحت الفرصة. وما كان يُقال طويلًا في الخطابات والشعارات، وُجدت ترجمتُه العملية على الأرض: عدوانٌ يستهدف مفاصل الحياة اليومية والأمن والاستقرار، ويكشف للجميع مقدار الحقد الدفين التي تحمله إيران على جيرانها العرب.

غير أن الوجه الأوضح في هذه اللحظة هو أن المحنةَ أحيت معنى وحدة المصير في أبهى صوره؛ تقاربت المواقف، وتوحَّدت الرسائل، وارتفعت وتيرة التنسيق بين العواصم الخليجية، وتعزَّزت القناعة بأن ما يجمع دول الخليج أكبر وأعمق من المصالح العابرة؛ إنه رابط التاريخ والأخوَّة، ووحدة الأرض، واستحقاق البقاء معاً في وجه من يريد بالمنطقة شرّاً. ولم تتوقف دلالة هذه المحنة عند حدود التضامن، بل تجلَّت أيضاً في ضبط نفسٍ محسوب يعكس ثقة الدول الخليجية ورجاحة قرار قادتها، وامتدت إلى ترسيخ وعيٍ أشدِّ وضوحاً بخصوصية الأمن الخليجي نفسه، وبأن صونَه يقتضي تعزيز القدرات الوطنية، وتحصين الأمن المشترك، وبناء ترتيباتٍ أكثر صلابةً واستدامةً تمنع المعتدي من إساءة الحساب مرة بعد أخرى.

وعلى المستوى الداخلي، كشفت الأزمة عن تماسك المجتمعات الخليجية مع قياداتها؛ إذ أثبتت هذه المرحلة أن الخليج لا يقف على أرضٍ رخوة، بل على وعيٍ مجتمعيٍّ يعرف قيمة الأمن، ويدرك أن الدولة، حين تحمي السيادة وتحفظ الاستقرار، إنما تحمي المعنى الأعمق للحياة نفسها. وفي المقابل، سقطت الأقنعة حين كان الواجب يقتضي الوضوح، وانكشفت وجوهٌ باعت ولاءَها، وارتهنت للعدو، وخدمت مخططاته على حساب أمن أوطانها. ففي مثل هذه المواقف يُرفع الغطاء ويُكشف معدن الانتماء حين يشتد الامتحان.

ولذلك، فإن العدوانَ الإيرانيَّ الغاشم لا يُقرأ فقط في كيفية صدِّه، بل في إفشال غاياته الأعمق. فحين تعجز الهجمات عن كسر الإرادة، ويتحوَّل الاستهداف إلى باعثٍ على مزيدٍ من التماسك، ويخرج الوعي العام أشدَّ صفاءً في تحديد عدوه، وأوضحَ إدراكاً لواجباته تجاه وطنه، وأكثرَ ثقةً بقيادته، وأقدرَ على قراءة التهديدات من حوله، فإن المعتدي يكون قد خسر المعركة الأبعد أثراً، مهما بالغ في النيران والوعيد والترهيب. لقد أراد أن يُربك المعادلة الخليجية، فإذا به يمنحها سبباً جديداً للثبات، ولمزيدٍ من اللُّحمة والتماسك، في وقتٍ كنَّا أحوج ما نكون فيه إلى ذلك.

حفظَ اللهُ خليجَنا العربيَّ شامخاً بقياداتِه وشعوبِه، وحفظَ الله جنوده الأوفياء ورجاله البواسل، وتغمَّد شهداء الواجبِ والضحايا الأبرياء بواسعِ رحمته، ومَنَّ على المصابينَ بالشفاءِ العاجل.