في الساعات التي سبقت الفجر، دخلت الحرب إلى البيوت بصوتها المباشر، ومرّت على قلوب الناس مرور الخطر حين يقترب من الأسرة والأطفال واليوم العادي، ولذلك تغيّر موضوع هذا العمود، فحين تهتز السماء فوق الوطن، تتقدّم الكتابة نحو واجبها الأول، وهو أن تنحاز إلى البحرين، وأن تكتب عن الرجال الذين وقفوا بين النار والناس، وعن القيادة التي أدارت المشهد بأعلى درجات الحضور، وعن مجتمع عرف كيف يتماسك في أكثر الساعات قسوة، وتشير البيانات الرسمية حتى كتابة هذا العمود إلى أن قوة دفاع البحرين اعترضت منذ بدء العدوان الإيراني 174 صاروخاً و385 طائرة مسيّرة، بينها 20 صاروخاً و23 مسيّرة خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.
هذه الأرقام تشرح حجم الاستهداف، وفي ذات الوقت تفتح باباً أوسع للحديث عن رجال الأمن وخاصة رجالات الدفاع الجوي، فهؤلاء كانوا في مواجهة واشتباك متواصل مع موجات تتابعية من الصواريخ والمسيّرات، في وقت كانت فيه العائلات تتابع القلق دقيقة بعد دقيقة، وفي مثل هذه اللحظات، تتجلى قيمة الجاهزية والانضباط والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار في زمن ضيق وحساس، فما صنعه رجال الدفاع الجوي منح البحرينيين شعوراً عميقاً بأن سماء المملكة في يد أمينة، وأن هناك من يسهر بعين مفتوحة حتى يبقى الأطفال في بيوتهم، وتبقى المدن قادرة على مواصلة حياتها وسط هذا العدوان الغاشم.
وفي قلب الصورة برزت القيادة البحرينية بحضورها السياسي والأمني الواضح، فقد استقبل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة حفظه الله ورعاه، صاحب المعالي المشير الركن الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة القائد العام لقوة دفاع البحرين، ومعالي الفريق أول الركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية، في سياق متابعة عليا للمشهد الأمني والعسكري وتنسيق الجهد الوطني في مواجهة التطورات، وهذه الاجتماعات تحمل معنى الدولة حين تكون في أقصى درجات التركيز، فرأس الدولة يتابع، والمؤسسة العسكرية ترفع الجاهزية، والمنظومة الأمنية تعمل بتكامل كامل من أجل حماية البلاد وصون الاستقرار.
ومن المهم هنا التوقف عند ما يجري بين القائد العام لقوة دفاع البحرين ووزير الداخلية من اجتماعات وتنسيق أمني، لأن المعركة الحديثة تحتاج إلى تكامل حقيقي بين الدفاع والأمن الداخلي وإدارة الطوارئ والمعلومات الميدانية، وهذا النوع من التنسيق ظهر في البحرين خلال التمارين الوطنية المشتركة بين قوة الدفاع ووزارة الداخلية والحرس الوطني، وبرز أثره العملي في سرعة الاستجابة، واحتواء الأضرار، وحماية المجالين المدني والحيوي في ظرف بالغ الحساسية، والنتيجة التي رآها الناس على الأرض هي ثمرة بناء مؤسسي متراكم، وتفاهم عملياتي يعرف كيف يتحرك في وقت الخطر دون ارتباك.
أما على المستوى التنفيذي، فقد كان حضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء جزءاً أساسياً من مشهد الطمأنينة الوطنية، سواء عبر الزيارات الميدانية أو عبر القرارات السريعة التي تكفلت بمعالجة الأضرار التي لحقت بمنازل المواطنين، أو من خلال تأكيده أن البحرين أسرة واحدة، وأن مصاب أهل المناطق المتضررة هو مصاب المملكة بأجمعها.
هذا النوع من الرسائل لم يبقَ في إطار الخطاب، فقد اقترنت بمتابعة مباشرة لجهود وزارة الداخلية والدفاع المدني والمركز الوطني لإدارة الطوارئ المدنية، وبإشادة واضحة بجهود المؤسسات العسكرية والأمنية في التعامل مع تداعيات الهجمات الإيرانية الآثمة.
وفي مثل هذه الظروف، يتقدّم وعي المجتمع بوصفه خطاً موازياً للحماية، فالتقيد بالتعليمات الرسمية، والابتعاد عن مواقع الحطام والأجسام المشبوهة، والتعامل المسؤول مع المعلومة، كلها عناصر تحفظ الأمن العام وتدعم الاستقرار. وخلال هذه الأيام تؤكد البحرين تماسكها عبر جاهزية الدفاع الجوي، وحضور القيادة، ودقة التنسيق الأمني والعسكري، ووعي مجتمعي يدرك قيمة الانضباط في زمن الخطر.
خلال الساعات الماضية، شعر كثيرون بالخوف على أبنائهم، وهذا شعور إنساني صادق لا يحتاج إلى شرح، لكن البحرين أثبتت في المقابل أن لديها رجالاً يعرفون كيف يحمون الوطن في اللحظة الصعبة، وقيادة تعرف كيف تكون في الميدان السياسي والأمني والإنساني معاً، ولهذا فإن ما جرى سيبقى في الذاكرة بوصفه ليلة قاسية، وسيبقى أيضاً شاهداً على صلابة وطن، وكفاءة مؤسسة، ويقظة رجال، وثقة شعب التف حول رايته في وجه العدوان.