لسنوات طويلة، نجحت الآلة الدعائية لطهران في تسويق صورة نمطية محكمة، تُظهر إيران وكأنها «جسد واحد» صلب ومتماسك، يتحرك بإيقاع دقيق تحت إمرة رأس واحد وصاحب قرار أوحد يمثله «المرشد الأعلى». هذا الوهم السياسي ابتلعه الكثيرون، حتى خُيل للمراقبين أن المؤسسات الإيرانية بأكملها ليست سوى بيادق تتحرك بتناغم مطلق على رقعة الشطرنج التي يديرها الولي الفقيه، وأن الكلمة الأولى والأخيرة تخرج من عباءة واحدة لا تقبل الجدل.

ولكن، كما يقال، فإن الأزمات الكبرى هي الكشاف الحقيقي للمعادن. فما إن اندلعت المواجهة الأمريكية الإيرانية الأخيرة، وتلقت طهران الضربة، حتى تبددت تلك الصورة النمطية تماماً، وتهاوى مجسم «الجسد الواحد» ليصطدم العالم بحقيقة مغايرة. لقد كشفت هذه المواجهة العسكرية عن تشققات هيكلية وانقسامات عميقة في صلب النظام الإيراني، وهي تصدعات غائرة لم تكن لتطفو على السطح، وتُشاهد بهذا الوضوح الفاضح لولا وطأة الأزمة والضغط المباشر.

لقد أظهرت مجريات الأحداث أننا لسنا أمام دولة ذات مركزية قرار سيادي، بل أمام «كيان متشظٍ» من الداخل، تتنازعه بقوة ثلاثة تيارات متناقضة تتصارع على النفوذ، تيار «المرشد» المتشبث بهالة السيطرة المطلقة، وجناح «الحرس الثوري» الذي يتصرف كدولة داخل الدولة، وأخيراً الفئة الحاكمة المتمثلة في الحكومة والبرلمان التي وجدت نفسها في العراء.

هذا التشرذم الهيكلي لم يكن مجرد اختلاف عابر في وجهات النظر، بل تجلى بشكل صارخ في انقسام عميق ومربك في دائرة صنع القرار الإيراني، سواء في إدارة مجريات التصعيد، أو على طاولات التفاوض. ففي المشهد ذاته، وفي نفس التوقيت، كنا نرى جهات متشددة داخل النظام تعلن التصعيد الأقصى، وتلوح بفتح جبهات قتال جديدة، بينما تخرج جهات أخرى تابعة للمؤسسة ذاتها لتعلن ضرورة التواصل مع الجيران بحثاً عن حلول وسبل للتعاون! لقد بلغ هذا التناقض مداه في ممارسات سريالية لا تصدر إلا عن كيان فاقد للبوصلة، فكيف يُعقل أن يقوم طرف داخل هذا النظام بقصف العواصم الخليجية وتوجيه المسيرات الغادرة نحوها، بينما يمسك طرف آخر بسماعة الهاتف ليجري اتصالات دبلوماسية عاجلة مع نفس الدول المستهدفة، متحدثاً بنعومة عن «علاقات حسن الجوار» ومؤكداً على مواقف الأخوة والترابط؟! أمام هذا التخبط المريع، لا يملك المراقب إلا أن يتساءل باستنكار، أي انفصام سياسي وعسكري هذا؟

لقد سطرت سجلات التاريخ التي وثقت أعظم وأشرس حروب البشرية عبر القرون الماضية، إلا أننا لم نسمع أو نشاهد في صفحاتها مكراً وخبثاً سياسياً يضاهي النموذج الذي قدمته طهران للعالم مؤخراً، حين أظهرت أكثر من وجه في وقت واحد لجميع الأطراف. إن تقديم غصن الزيتون الدبلوماسي بيد، وإطلاق الصواريخ باليد الأخرى، ليس دهاءً سياسياً، بل استخفافاً سافراً بأبسط قواعد اللعبة الدولية.

ولعل هذا الخبث المتأصل هو ما يفسر حالة الغضب العارم التي عبر عنها الرئيس الأمريكي السابق «دونالد ترامب» الأسبوع الماضي تجاه هذه الممارسات، حين وصف التصرفات الصادرة عن الدبلوماسيين الإيرانيين بـ «الصبيانية»، كاشفاً الغطاء عن وجههم الحقيقي بنعتهم أشخاصاً غير نزيهين، وواضعاً النقاط على الحروف بتصريح يختزل تاريخاً من المراوغة قائلاً، «لا يوجد معهم شيء اسمه التعامل بحسن نية».

واليوم، تؤكد إيران -هذه الدولة المنهارة داخلياً والمنقسمة على ذاتها بين المصالح الشخصية لجماعة الولي الفقيه، وأطماع الحرس الثوري، ومكاسب الزمرة الحاكمة- أن الغدر ونقض العهود ليسا مجرد تكتيك سياسي طارئ، بل هما نهج متأصل يجري في دمائهم وممتد عبر عصور طويلة. هذا الخداع الممنهج هو بالضبط ما خَبِرناه وشهدناه طوال السنوات الماضية، ففي كل مرة كانت تمد فيها دول الخليج العربية يد السلام، محاولةً بصدق فتح صفحات بيضاء وتأسيس علاقات جوار مبنية على الاحترام المتبادل، كان هذا الكيان يواجه تلك النوايا النبيلة بطعنات الغدر ومحاولات التخريب وزعزعة الاستقرار.

لقد أثبتت الأيام، بما لا يدع مجالاً للشك، أن النوايا الحسنة والمبادرات الدبلوماسية الصادقة لا تجد صدىً لدى نظام يرى في استقرار الجوار خطراً على مشروعه التوسعي.

وبهذا السلوك المزدوج والتشظي الداخلي الفاضح، تقطع طهران الشك باليقين، من يقتات على الأزمات، وينقسم على نفسه، لا يمكن يوماً أن يكون شريكاً موثوقاً في صناعة السلام.