في الخامس والعشرين من مارس من كل عام، تستدعي مملكة البحرين لحظة وعي متجدّدة تُعيد فيها تعريف ذاتها من خلال شبابها، بوصفهم المعنى الأعمق للزمن الآتي، والمرآة التي تنعكس عليها ملامح المستقبل. فالشباب فكرةٌ حية تتجدّد، وإرادةٌ تتشكل، ومشروعٌ وطني يُصاغ بعقول تتقاطع فيها المعرفة مع الطموح، والهوية مع الانفتاح.

إن القراءة المتأنية لمسار تمكين الشباب في البحرين تكشف عن رؤية تُبنَ على وعي استراتيجي عميق أدرك مبكراً أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الموارد القابلة للنضوب، بل في الإنسان القادر على إعادة إنتاج القيمة. ومن هذا المنطلق، جاءت رؤى حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم لتؤسس لفلسفة دولة ترى في الشباب طاقة سيادية، وفي تمكينهم ضمانةً لاستمرارية النهضة، حيث يتجلى الإيمان بقدراتهم كنهج مؤسسي تتفرع منه السياسات والمبادرات.

وفي امتدادٍ عضوي لهذه الرؤية، تتبلور توجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء التي نقلت تمكين الشباب من حيّز التقدير الرمزي إلى فضاء الفعل التنفيذي، عبر إدماجهم في مواقع التأثير وصناعة القرار، بما يجعلهم شركاء حقيقيين في صياغة الحاضر، لا مجرد متلقين لنتائج السياسات.

هنا، تتجلّى الدولة بوصفها عقلاً جمعياً يُراهن على طاقاته الشابة، ويمنحها أدوات الفعل وليس هامش الانتظار.

إن البُعد الأكثر عمقاً في التجربة البحرينية يتجسّد في الحراك الحيوي الذي يقوده سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، حيث يتحوّل العمل الشبابي من برامج متفرقة إلى منظومة متكاملة تُعيد تشكيل وعي الشباب بذاتهم ودورهم. فمن خلال مشاريع نوعية «مدينة شباب 2030»، ومبادرات عالمية كجائزة الملك حمد لتمكين الشباب، تتّسع الدائرة من المحلي إلى الكوني، ليصبح الشاب البحريني فاعلاً في سياق عالمي، يحمل هويته دون أن ينغلق، وينفتح دون أن يذوب.

وإذا كانت التنمية في جوهرها عملية بناء مستمر، فإن ما يميز التجربة البحرينية هو قدرتها على المزج بين الأصالة والتجديد، حيث تتكامل المبادرات الثقافية والإبداعية مع البرامج التنموية، لتصوغ إنساناً متوازناً، يُدرك أن الهوية رافعةً للانطلاق. ومن هنا، فإن مبادرات مثل «بالبحريني» و«عوايدنا» تُقرأ كمشاريع وعي تُعيد ربط الشباب بجذورهم، في زمن تتسارع فيه التحولات.

إن يوم الشباب البحريني، في جوهره، تأمّل في المعنى؛ معنى أن تكون الدولة قادرة على تحويل طموحات شبابها إلى سياسات، وأفكارهم إلى مشاريع، وأحلامهم إلى واقع. وهو أيضاً رسالة شكر ضمنية لقيادة أدركت أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع، وأن الشباب ليسوا ورثة الغد فحسب، بل صُنّاعه.

وهكذا تمضي البحرين، بثقةٍ هادئة، في ترسيخ نموذج تنموي يرى في الإنسان غايته ووسيلته، وفي الشباب روحه المتجدّدة، لتؤكد أن النهضة الحقيقية تُقاس بقدرة الأوطان على أن تُنجب جيلاً يؤمن بها، ويؤمن بنفسه، ويملك الشجاعة ليحمل رسالتها إلى العالم.

* إعلامية وباحثة أكاديمية