قبل حوالي ستة وثلاثين عاماً، عاش أهل الخليج العربي تجربة مريرة تشبه في ملامحها العامة ما نعيشه اليوم من حالة حرب وصراع محتدم في المنطقة، إذ كانت منطقة الخليج العربي في عام 1990 هي الحدث الأكبر الذي زلزل العالم بأسره، وتأثرت بسببه المنظومات الاقتصادية والسياسية جراء ذلك الغزو الغادر الذي تعرضت له دولة الكويت الشقيقة.

ووقتها، خيّم على الجميع شعور عارم بالقلق والترقب، لكون فكرة نشوب حرب في عمق دارنا كانت أمراً غريباً وغير مألوف في ذاكرة الأجيال المعاصرة آنذاك.

واليوم، تتشابه بعض ملامح المشهد، لتصبح منطقة الخليج العربي مرة أخرى في قلب التوترات الإقليمية، وما يرافقها من تداعيات على الاقتصاد العالمي وتعطل سلاسل التجارة.

وواقعياً، تعيش الأسر اليوم حالة من الترقب، ليس فقط خوفاً من التهديدات المباشرة، بل قلقاً على ما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً، وحرصاً على حماية أطفالنا من التأثر نفسياً ومعنوياً جراء المشاهد التي تلاحقهم في كل مكان.

بيد أن الفارق الجوهري بين حرب الأمس وصراع اليوم يكمن في «كم المعلومات» الهائل الذي يتدفق إلى صغارنا قبل كبارنا، إذ أصبح الجميع عرضة لمحتوى رقمي مكثف يتضمن مشاهد ملفقة وصوراً مفبركة، وتقارير مضللة تُقدم بقالب احترافي يجعلها أقرب للحقيقة والتصديق.

ولقد وصل الأمر بفضل تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى درجة من الإتقان يصعب معها التفريق بين الواقع والخيال، مما جعل البعض يتوهم أننا أمام مشهد ضبابي تتداخل فيه الحقائق مع التزييف، وهو ما يسهل مهمة المتربصين في خداع الفئات الأقل اطلاعاً.

إننا نؤمن يقيناً بأن هذه الأراجيف لن تضعف بلادنا ولن تعيق مسيرة تقدمنا، فقد أنعم الله علينا بقيادة حكيمة ونيرة لحضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وبسياسة أثبتت طوال السنوات الماضية قدرتها الفائقة على تجاوز العقبات دون خسارة تماسك المجتمع.

ولكن، ومن منطلق الحرص الوطني، فإن المرحلة تتطلب منا جميعاً، وبخاصة المؤسسات المعنية، حضوراً إعلامياً يواكب سرعة الحدث ويعزز الطمأنينة.

إن المعلومة اليوم أصبحت «سلعة» يسهل الحصول عليها، لكنها تفتقد لأهم عنصر وهو «الرسمية والتأكيد»، لذا، فإن التطلع يبقى مستمراً نحو إعلام رسمي يتسم بالمبادرة في عرض الأحداث وإيضاح الصورة، فما يملكه الجانب الرسمي من بيانات موثوقة هو الركيزة التي يبني عليها المواطن قناعته، وهي الحصن الذي يحمي الوعي العام من أي تفسيرات مغلوطة.

نتمنى من جهاتنا الرسمية مواصلة نهجها في تبيان الحقائق أولاً بأول، حتى يظل المجتمع شريكاً في الوعي، وعلى دراية دقيقة بما يجري من حوله من جهود جبارة تبذلها الدولة لحمايته.

وفي ظل هذا الواقع المتسارع، يبقى الوعي المجتمعي هو خط الدفاع الأول، وتبقى الشفافية في نقل المعلومة هي السلاح الأهم في مواجهة حملات التضليل، فكلما كانت الحقيقة حاضرة وواضحة، تراجعت مساحة الشائعات، وتعززت الثقة المطلقة بين المجتمع ومؤسساته.

إن المرحلة تتطلب وضوحاً يوازي حجم التحديات، حتى نحمي وعينا وصورة وطننا أمام العالم أجمع.

حفظ الله مملكة البحرين وشعبها، وأدام علينا نعمة الأمن والأمان، وحفظ قائدها وباني مسيرتها جلالة الملك المعظم، وسيبقى الخليج عربياً باقياً رغم أنف الجميع.