عاجلاً أم آجلاً سيأتي وقت التفاوض بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وربما يأتي بين أمريكا وإيران دون إسرائيل.. كل شيء وارد.

ولله الحمد والمنة، فإن دول الخليج ستكون أمام نظام خسر معظم -إن لم يكن كل- ترسانته المخيفة التي بناها خلال العقود الخمسة الماضية، لكنه -وهذا هو محور حديثنا- نظام لن يتخلى عن مشروعه حتى وإن خسر قياداته حتى وإن وافق على عدم تخصيب اليورانيوم وأوقف برامج الصواريخ الباليستية، فمشروع التوسع سيظل موجوداً مادام الدستور الإيراني هو ذاته، ويحكمه فرس يحلمون بعودة الإمبراطورية الفارسية، وعلى هذا الأساس على دول الخليج أن تتحضر لتتعامل مع المخاطر الأمنية الداخلية لليوم التالي، مثلما تتحضر لبناء قدراتها العسكرية بناء على المعطيات الجديدة.

غير مقبول أبداً تكرار ما حدث مرة أخرى من اختراقات داخلية في جميع دول الخليج لا في البحرين فقط، وهددت دولنا الخليجية، وذلك لأننا تساهلنا كثيراً مع تلك المهددات، وكنا نأمل أن يعيدوا النظر، وربما تكون الفرص التي منحت لهم عاملاً يساعدهم على الاندماج في الدولة الوطنية وثبت فشل تلك السياسة فشلاً ذريعاً.

المخاطر متجددة، وخير مثال عندنا وعند الكويت بشكل أكبر من بقية دول الخليج، وذلك لأننا لا نعالج المشكلة من جذورها، فوجدنا أنفسنا أمامها تتكرر كل عشر سنوات منذ الثمانينات إلى يومنا هذا، وكنا نعتقد أننا لن نمر بها بعد 2011 ومن بعد استنفاد جميع محاولات تأليف القلوب معهم، لكننا اكتشفنا خطأنا.

لذلك فإن أول ما سيكون علينا إقراره هو كيف نقطع هذا التكرار، ونمنع حدوثه مرة أخرى؟

تحت أي حجة أو مبرر لا يمكن السماح لأي شخص أياً كانت مكانته الدينية أو موقعه الجغرافي أن تكون له الكلمة الأخيرة فوق القانون والدستور، أي لا يسمح أن تكون الولاية إلا للدولة فقط لا غير.

آن الأوان أن ينص دستور الدولة أن الولاية أو الكلمة الأخيرة هي للدستور فيها ولقوانينها ولمؤسساتها، ولا ولاية ولا مرجعية أخرى تعلو على الدستور.

ومن يرفض أو يعترض، يختار الدولة التي يريد أن ينضوي تحت جناحها، فلا يحق له الانتفاع بأي مكتسب من مكتسبات المواطنة بما فيها الجنسية، فمثلما لا نسمح بازدواجية الجنسية علينا ألا نسمح بازدواجية الولاء.

الحاصل أننا اعتبرنا تلك الازدواجية «خصوصية» دينية والنتيجة أن البحريني أو الكويتي الذي يقلّد مرجعية دينية تفرض عليه طاعتها جعل كلمته فوق كلمة دستور دولته، إننا سمحنا له بحمل الجنسية الإيرانية دونما حاجة لوثائق ورقية أو مستندات إيرانية.

ولا أعتقد أن معالجة تلك المعضلة تقف عند قرارات أمنية أو حتى إجراءات قانونية، أو عفو متكرر ألف مرة، البداية لابد أن تكون بنص دستوري ينص على أنه لا ولاية إلا للدولة، كنص يحدد التزام المواطن تجاه دولته، فدساتيرنا حفلت بتعداد التزامات الدولة تجاه مواطنيها، ولم تحدد التزام المواطن تجاه دولته بشكل كافٍ كي يستحق شرف الانتماء لها، مع الأسف جعلنا المكتسبات حقاً دون التزامات.

حتى المادة 17 من الباب الثالث المعنية بجريمة «الخيانة العظمى» لم تعد كافية، ولعمري لا أجد خيانة أوضح من الإشهار بأن «ولاية الفقيه» فوق الدستور! فحاملها يقر بأنه خاضع لجهة أخرى غير دستوره الوطني وبصريح العبارة.

(هناك من حاول فبركة وتزييف هذه الدعوة، فحرف مقالاتنا بقوله إنها تدعو لتخوين كل من عنده مرجعية دينية خارج البحرين، وهذا كذب وافتراء وتدليس، كيف نقول ذلك وكل الناس لديها مرجعيات دينية خارج البلاد، في محاولة للتضليل وتشتيت الآراء، وهذا لم نقله ولا في عبارة واحدة من مقالاتنا، فليست كل مرجعية تفرض على مقلّديها وضعها قبل دستوره، وقبل ولائه لدولته).

ما نطالب به هو النص على الالتزامات الدستورية أن لا ولاية سياسية أو أمنية أو قانونية على من يحمل الجنسية البحرينية إلا دستور دولته وأنظمتها وقوانينها، ومن لا يقبل هذا المبدأ لا يحق له أي مكتسب ولا يحق له المطالبة بحقوق المواطنة.

فلا «ولاية سياسية» تتدثر بالدين وبالشرع لأي فقيه خارج الدولة أو حتى داخلها إن وضع نفسه فوق الدستور، المرجعيات الدينية لها حدودها وضوابطها الدستورية، وسقف لا تتخطاه، رجل الدين مرجعية كان أو وكيلاً لمرجعية هو مواطن كأي مواطن لا يتميز عنها بأي اختصاص أو سلطة، فلا يسمح لكلمته أن تكون فوق قانون ودستور الدولة، فإن وجد شخص منح لنفسه سلطة فوق سلطة الدستور وأي شخص قبل بذلك، فتلك خيانة للدولة من الداعي والتابع.

أي رجل دين يطلب من أتباعه وضع سلطته فوق سلطة الدستور، فهو يطالب بولاية عامة يسقط أمامها الولاء للدولة، وأتباعه يخونون الدستور مع سبق الإصرار والترصد أياً كانت ملّتهم سنة أم شيعة أم أصحاب ديانة أخرى.

ومن يقبل بها قبل بتحقير ولاية الدولة، وقبل بالطاعة لزعامة غير نظامه السياسي، وذلك ازدواج للهوية، وازدواجية جنسية بلا مواربة، حاملها يحمل الجنسية الخليجية ومعها جنسية وليه الذي اختار أن يضع ولايته فوق ولاية دولته.

(المفارقة أن مقلّدي ولاية الفقيه الإيراني في البحرين، قابلون أن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية في إيران، لكنهم يطالبون أن يكونوا من الدرجة الأولى في البحرين).

من بعد الذي حدث لابد لدول الخليج مجتمعة أن تضع استراتيجية شاملة للتعامل مع أزمة ازدواجية الهوية الوطنية والصراعات بين مكوناتها، والتي تهاونا في معالجتها معالجة جذرية تمنع تكرارها، واكتفينا إما بمعالجتها أمنياً أو استرضائياً، فلا نفعت تلك ولا نفعت الأخرى.

لابد من تسمية الأشياء بمسمياتها وعدم التلعثم في الحديث عن هذه الأزمة والتردد بسبب صراخ من سيتضرر من هذا الحزم وعملاء الفضاء الإلكتروني، بكاء وتحذيراً من الفتنة.

وضع القواعد الدستورية التي تعالج أزمة الولاية والانتماء، وتضع حداً لهذه الازدواجية أول الطريق ثم تتبعه منظومة قانونية وحزمة إجراءات.