منذ صعود رجال الدين للسلطة في إيران العام 1979، تجاوز تأثير النفوذ الإيراني مسائل السياسة والأمن ليصل إلى البنية الاجتماعية والهوية المذهبية في المجتمعات الشيعية العربية.

لقد استطاع النظام الإيراني الجديد آنذاك، الذي طالما حمل شعار «نصرة المستضعفين»، الإضرار بالطائفة الشيعية خارج حدوده عبر تسييس هويتها وربطها بمشروعه العابر للحدود طوال 47 عاماً.

في دول مجلس التعاون الخليجي، لم يكن الشيعة طارئين على أوطانهم؛ بل هم من النسيج الاجتماعي المرتبط بتاريخ هذه الأرض وثقافتها وعروبتها.

لكن التحول الجوهري جاء عندما تداخل الدين في إدارة الدولة من خلال تبني إيران لمفهوم «ولاية الفقيه»، ما جعل البعض يضع مذهبه كأولوية فوق انتمائه الوطني.

وترافق هذا التحول مع مشروع «تصدير الثورة» الذي سعت إليه إيران في دستورها من خلال محاولة إعادة تشكيل الوعي والولاءات داخل المجتمعات الشيعية، بحيث يصبح الانتماء المذهبي مظلة سياسية تتجاوز حدود الوطن.

ولذلك، يجد بعض الشباب في المجتمعات الشيعية الخليجية أنفسهم ضحية حين يُستخدمون كأداة في صراعات لا تمثلهم ولا تنتمي لوطنهم بسبب تغليف السياسة بغطاء ديني.

لكن هذا المفهوم الإيراني، الذي ينقل جميع السلطات السياسية والعسكرية والدينية إلى مرجعية دينية واحدة، شكل تحولاً جوهرياً عن التقاليد الشيعية المتمثلة في الالتزام بالحياد السياسي تاريخياً، ما جعل «ولاية الفقيه» محل انتقادات داخل الطائفة نفسها.

ولم تحظَ هذه النظرية بتأييد لدى كبار علماء الشيعة، حتى أن المرجع الأعلى الراحل، أبو القاسم الخوئي، ندد بها ووصفها بالتجديف.

بدوره، يجادل الفيلسوف الإيراني البارز، محسن كديور، بأن فكرة «ولاية الفقيه» برمتها تفتقر إلى أساس قانوني وعقلاني كافٍ؛ فهي لا تستند إلى الكتاب ولا السنة ولا الإجماع ولا العقل، على حد قوله.

ولطالما كانت «ولاية الفقيه» موجودة لدى الشيعة منذ قرون، إلا أنها كانت تهدف في الأصل إلى منح ولاية دينية على فئة محدودة من المجتمع، وتحديداً أولئك الذين يُعتبرون غير قادرين على حماية مصالحهم، كالأيتام وذوي الاحتياجات الخاصة.

لكن مؤسس الجمهورية الإسلامية، روح الله الخميني، أعاد صياغة هذه الفكرة بشكل شامل ليضع نفسه زعيماً أعلى ليس لإيران فحسب، بل للأمة الإسلامية جمعاء، وهو أمر منصوص عليه في الدستور الإيراني.

ونتيجة لذلك، أتاح هذا المفهوم لإيران التغلغل داخل المجتمعات الشيعية الخليجية عبر شبكات وتنظيمات روجت لولاية الفقيه من أجل تحقيق النفوذ على هؤلاء الناس باسم المذهب أولاً.

ويبرز التناقض الصريح عندما تنصب إيران مرشدها «وليًا لأمر المسلمين» في مختلف أنحاء العالم، على الرغم من أنها لا تسمح بتولي غير الإيرانيين لهذا المنصب.

وحين يصبح الانتماء الديني أداة سياسية بيد طهران، فإن استقرار المجتمعات المتنوعة مذهبياً سيكون موضع شك دائم، الأمر الذي يحتم علينا رفع هوية الوطن أولاً؛ لأن ما سواه ليست سوى تفاصيل شخصية.

وهنا، تبدو الحاجة ماسة لبناء مشروع فكري مضاد - (ليس حملات توعوية اعتيادية) - يعيد تعريف العلاقة بين الدين والدولة، ويحصن الناشئة من التوظيف السياسي للدين على حساب الوطن.