هل يمكن لحظةٍ دبلوماسية أن تختصر مسار دولةٍ بأكمله؟ ربما يبدو السؤال نظرياً، لكن ما جرى مع مملكة البحرين في رئاستها لمجلس الأمن الدولي، بالتوازي مع قيادتها لمجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية، يمنح هذا السؤال بُعداً واقعياً. فالتزامن هنا مؤشر على انتقال واعٍ من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صياغة القرار، وكأن مملكة البحرين قررت أن تتصدّر بحضورها الساحات الدولية.
لكن ما الذي يجعل هذا التحوّل مقنعاً في عيون العالم؟ الإجابة لا تكمن في المنصب فقط، بل في مضمون الخطاب، حين تحدث وزير خارجية مملكة البحرين د. عبداللطيف بن راشد الزياني قبل جلسة مجلس الأمن الدولي بيوم، كان يؤسس لرؤية متكاملة تقوم على ثلاثية واضحة: السيادة، والأمن، والاستقرار. هذه قواعد لإعادة ضبط إيقاع منطقة اختلت توازناتها بفعل التصعيد الإيراني، الذي لم يقتصر أثره على الجغرافيا، بل امتد ليهدّد الاقتصاد العالمي عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وكأن العالم كله أصبح معنياً بسؤال واحد: من يحمي شريان الطاقة والتجارة؟
وهنا كان البُعد الأعمق: هل كان التحرّك البحريني دفاعياً أم مبادرة لإعادة تشكيل المعادلة؟ المؤشرات تقول إنه أقرب إلى الخيار الثاني. فالحشد الدولي الذي تُرجم في دعم 136 دولة لقرار مجلس الأمن و115 دولة في مجلس حقوق الإنسان كان نتيجة خطاب عقلاني استند إلى القانون الدولي، ونجح في تحويل الأزمة من نزاع إقليمي إلى قضية عالمية. من هنا أعادت مملكة البحرين تعريف المشكلة، وهو مفتاح الحل.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا بعد؟ هل يكفي صدور القرارات؟ التجربة الدولية تقول إن النصوص وحدها لا تصنع الواقع، لكن ما طرحته مملكة البحرين في مشروع القرار بشأن مضيق هرمز يفتح أفقاً مختلفاً؛ يهدف إلى تثبيت قاعدة قانونية تضمن «حق المرور العابر» وتمنع تحويل الممرات البحرية إلى أدوات ابتزاز سياسي، فهي محاولة لإعادة الاعتبار لفكرة أن القانون الدولي ضرورة لبقاء النظام العالمي متماسكاً.
ومن زاوية أوسع، يمكن قراءة هذا الحراك كدعوة لإعادة بناء العلاقة بين المنظمات الإقليمية والدولية، حيث لا يكون أحدهما بديلاً عن الآخر. فالتجارب أثبتت أن الحلول المستدامة تنشأ حين تتكامل الإرادة الإقليمية مع الشرعية الدولية، وهو ما سعت مملكة البحرين إلى ترسيخه من خلال هذا الحضور المتوازن.
وفي بلورة لهذا المشهد يكون السؤال الحقيقي: هل نحن أمام تحوّل في طريقة التفكير السياسي ذاتها؟ من وجهة نظر أعمق، تبدو هذه اللحظة أقرب إلى اختبار لفكرة أن «القوة» لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدول، بل بما تستطيع أن تقنع به العالم. فحين تنجح دولة في تحويل موقعها من الجغرافيا إلى الفكرة، ومن رد الفعل إلى صناعة المعنى، فإنها تدخل مستوى مختلفاً من التأثير، وربما هنا تكمن القيمة المنطقية الأهم؛ أن السياسة، في جوهرها، ليست صراعاً على النفوذ بقدر ما هي قدرة على إعادة تعريف الواقع بطريقة تجعل الآخرين يرونه كما تراه أنت. وفي هذا المعنى، قد لا تكون البحرين قد غيّرت العالم بعد، لكنها بلا شك بدأت تغيّر الطريقة التي يُفكَّر بها في هذا العالم.
* إعلامية وباحثة أكاديمية