في أوقات الأزمات الكبرى، تتكشف آثار العدوان على أكثر من مستوى، وتظهر الخسائر في مساحات تتجاوز المشهد العسكري المباشر إلى الاقتصاد والخدمات وحركة الناس ومصالحهم اليومية، ومع اتساع هذه التداعيات، تصبح الحاجة ملحة إلى عمل مؤسسي دقيق يرصد ما وقع، ويوثق ما ترتب عليه، ويضعه في إطار وطني منظم، ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية إنشاء لجنة وطنية للتحصين وحصر الأضرار، تتولى استقبال البلاغات، وتقدير الخسائر، وبناء ملف متكامل يحفظ حق البحرين وحق المتضررين فيها.
وترتبط فكرة هذه اللجنة بحماية الحق العام وصون الذاكرة القانونية للأزمة، فمع توزع الأضرار بين الأفراد والمؤسسات والقطاعات، تصبح الحاجة واضحة إلى جهة وطنية جامعة تتولى استقبال البلاغات، وحصر الخسائر، وتوثيقها وفق منهج دقيق، سواء تعلّق الأمر بالممتلكات، أو الأنشطة التجارية، أو العقود، أو النقل، أو التأمين، أو الخدمات، أو كلفة التشغيل، وعبر هذا المسار، تدخل الوقائع المتفرقة في إطار وطني منظم، وتتحول الخسائر إلى ملف موثق يحمل ثقله في أي مسار قانوني أو سياسي أو دبلوماسي خلال المرحلة المقبلة.
وتملك البحرين اليوم مبررات كافية للدفع بهذا الخيار إلى الأمام. فالأثر الذي أصاب المنطقة خلال الأسابيع الماضية امتد إلى الاقتصاد والطاقة وحركة الطيران والتجارة وثقة الأسواق وكلفة الشحن والتأمين، وهذا النوع من الأضرار يحتاج إلى عمل دقيق منذ اللحظة الأولى، لأن قيمة التوثيق ترتفع كلما اقتربت من زمن الحدث، ولأن قوة الملف تبدأ من جودة ما يُجمع فيه من وقائع ومستندات وأدلة.
وفي الخليج العربي تجربة ذات دلالة كبيرة تستحق التوقف عندها بجدية، هي التجربة الكويتية بعد الاحتلال العراقي. فقد أدركت الكويت مبكراً أن الحقوق الكبرى تحتاج إلى ذراع وطنية متخصصة، فأنشأت الهيئة العامة لتقدير التعويضات عن خسائر العدوان العراقي، وتولت هذه الهيئة أعمال الحصر والتقدير وتجهيز الملفات ومتابعة المطالبات، ومع مرور السنوات، تحول هذا الجهد إلى واحد من أبرز ملفات التعويضات في التاريخ الحديث، وانتهى بدفع ما يقارب 52 مليار دولار لأفراد وشركات وحكومات أثبتوا تعرضهم لأضرار بسبب الغزو، وفق ما أعلنته لجنة الأمم المتحدة للتعويضات، وهذه السابقة تقدم درسًا واضحًا في قيمة التوثيق المنظم، والعمل المؤسسي، والنَفَس القانوني الطويل.
ومن هذه الزاوية، تكتسب التجربة الكويتية معناها بالنسبة إلى البحرين ودول الخليج العربي، فالأضرار التي تواجهها المنطقة اليوم متعددة المستويات، وتطال البر والبحر والجو، وتمس الدولة والقطاع الخاص والأفراد والأسواق، ومن الحكمة أن تبادر كل دولة إلى إنشاء لجنة وطنية واضحة الاختصاص، تضطلع بالحصر والتوثيق وتقدير الأضرار، ثم يلتقي هذا الجهد الوطني في إطار خليجي تنسيقي يجمع المعطيات، ويوحد أسس التقييم، ويبلور ملفاً إقليمياً متكاملاً يعبّر بدقة عن حجم ما تعرض له الخليج منذ بدء العدوان.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه يجمع بين الدقة القانونية والانضباط المؤسسي والرسالة السياسية، فمن خلاله تتكون لدى الدولة صورة واضحة لحجم الخسائر، وتتوافر للمواطنين والقطاع الخاص آلية منظمة لعرض ما لديهم من مستندات ومطالبات، كما تتأسس أرضية قانونية راسخة لأي تحرك دولي لاحق، وإلى جانب ذلك كله، يعبّر هذا التوجه عن وعي خليجي يدير الأزمة بمنطق الدولة، ويقيس كلفة العدوان بلغة الأرقام، ويصون الحقوق وفق المعايير والأصول المعتمدة.
ومن المهم هنا أن تحمل اللجنة الوطنية في البحرين طابعاً مهنياً رفيعاً، فتضم خبرات قانونية ومالية ومحاسبية وهندسية وتأمينية، مع نافذة واضحة لاستقبال الأضرار الفردية والتجارية، وآلية دقيقة لتصنيف الخسائر بين ما أصاب الممتلكات، وما مسّ النشاط الاقتصادي، وما ارتبط بالملاحة والطيران والطاقة والخدمات العامة، وبهذا التكوين تصبح اللجنة أداة تحصين وطني بحق، تجمع بين حفظ الحق، وطمأنة المتضررين، وبناء ذاكرة دقيقة للأزمة.
في مثل هذه اللحظات، تبرز قيمة الدولة التي تبادر مبكراً إلى توثيق ما جرى، وتجمع أدلتها، وتصون حقوقها ضمن ملف سيادي متكامل، والبحرين تملك اليوم فرصة مهمة لفتح هذا المسار منذ الآن، عبر تحويل ما خلّفه العدوان من آثار اقتصادية ومعيشية إلى سجل وطني دقيق يحفظ الحق العام ويؤسس لما بعد الأزمة، ومع تحرك دول الخليج العربي في الاتجاه نفسه، يكتسب الموقف السياسي سنداً قانونياً واقتصادياً أكثر صلابة، وتترسخ حقيقة أن أمن الخليج العربي واستقراره وثرواته وممراته الحيوية حقوق ثابتة، وأن كلفة العدوان ستبقى حاضرة في السجل، موثقة ومقدّرة ومهيأة للمطالبة.