تمر الأوطان بلحظات تاريخية فارقة تُختبر فيها معادن الرجال وتُكشف النوايا، وتواجه مملكة البحرين اليوم اعتداءً سافراً وتحدياً جسيماً من طرف لطالما حاولت المنامة أن تبسط له يد الصداقة والأخوة وحسن الجوار، إلا أن إيران أبت إلا أن تظهر بمظهر العدو الذي ينظر إلينا -نحن وأشقاءنا في الخليج العربي- كحضارة يصارعها على الوجود، وتعمل بسوء نوايا يفوق ما تُصرّح به من حسن جوار مزعوم.
في مثل هذه المنعطفات المصيرية تسقط الأقنعة وتتلاشى المناطق الرمادية، فلا حياد أبداً في حب الوطن، ولا مساومة على الانتماء لترابه.
إن هذا الوطن العظيم يتكوّن من جسدٍ واحد وهويةٍ واحدة، ألا وهي الهوية «البحرينية» الجامعة، حيث إن أية محاولة لتفريق المواطنين أو تصنيفهم حسب المذهب والدين والعرق إنما هي خدمة مجانية وخيانة صريحة يقدمها أصحاب الفكر المنحرف لأعداء هذا الوطن المتربصين به.
ومن سوّلت له نفسه الغدر أو خيانة تراب هذا الوطن جرياً خلف مطامع مادية زائلة مهما بلغت قيمتها وتعددت مغرياتها، فإنه لا يمثل في جرمه هذا إلا نفسه الدنيئة وفكره المنحرف، ولا ينسحب عار خيانته على مذهبه أو أهله أو قبيلته، فجناية الخائن تلزمه وحده، ولا تمس نقاء نسيجنا المجتمعي أبداً.
إن مملكة البحرين تحتضن أبناءها جميعاً، سنةً وشيعةً، يعيشون كأبناء بررة لهذا الكيان، يتساوون تماماً في الحقوق والواجبات، فهم يشتركون في كل شيء، ربهم واحد، وقبلتهم واحدة، وحبهم لوطنهم واحد، وولاؤهم لقائدهم حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم.
وإذا تباينت بعض الرؤى أو الأفكار، فإن ذلك لا يعني أبداً أننا مختلفون، لأن حب هذه الأرض والمنافحة عنها هو فرض وواجب في ديننا وعقيدتنا، سنة وشيعة على حد سواء.
أحد المشاهد الواقعية في يومياتنا هو ما أعيشه ويعيشه الكثير منا، ففي مقر عملنا خلال هذه الأزمة، فرض علينا الواجب الوطني التواجد والعمل على مدار 24 ساعةً متواصلة.
في نوبات العمل تلك، لا تلتفت العيون إلى أية انتماءات فرعية، بل نرى أبناء الوطن جميعاً يعملون بروح الفريق الواحد، وبأقصى درجات التركيز والتفاني لخدمة البحرين.
وحتى في أوقات الصلاة، تصطف الصفوف وتتراص الأقدام في جماعة واحدة، في مشهد يعكس حقيقة النسيج البحريني وتماسكه، ويجسد شعوراً عميقاً بالأخوة والاعتزاز، حامدين الله دائماً على نعمة الأمن والتلاحم التي تستوجب منا جميعاً التكاتف لحمايتها.
إن البحرين لم تبنِ مجدها بالشعارات، بل بنته بأبناء عرفوا معنى الانتماء حين ضاقت الأوقات وثقلت الأمانة. وما هذه اللحظة إلا امتحان آخر في سجل طويل من الامتحانات التي خرجت منها هذه الأرض أشد عوداً وأرسخ جذوراً. فلتكن يدنا واحدة وقلبنا واحداً، لأن الوطن حين يُستهدف لا يسأل عن مذهبك، بل يسأل .. أين أنت؟
«حفظ الله مملكة البحرين وشعبها من كل مكروه وشر، وحفظ قائدنا وملهمنا جلالة الملك المعظم».