في لحظة دولية مشحونة بالتوتر، حيث تتقاطع الأزمات وتتزاحم الحسابات، يعود السؤال ليفرض نفسه بإلحاح: لماذا هرمز؟ ولماذا الآن تحديداً؟
والجواب: ليس لأنه مجرد مضيق مائي، بل لأنه مرآة تعكس موازين القوة، ومفترق طرق بين السياسة والقانون، وبين السيادة والمصالح الدولية.
إن هرمز، في جوهره، ليس جغرافيا فقط، بل رسالة. فمن يسيطر على شريان كهذا، إنما يلامس قلب الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، ويعيد رسم حدود النفوذ في منطقة لم تعرف الاستقرار إلا استثناءً.
ولهذا، فإن كل تصعيد حوله لا يُقرأ بمعزل عن سياق أوسع: سياق التعنّت الدولي، وتصلّب المواقف، وتراجع مساحات التفاهم.
وفي هذا المناخ، تبدو التحليلات السياسية – على كثرتها – عاجزة عن تغيير الواقع بقدر ما هي انعكاس له. فالكلمات، مهما بلغت دقتها، تقف أحياناً عند حدود العجز، حين تتقدّم الوقائع الميدانية بخطى أسرع. لا لأن التحليل بلا قيمة، بل لأن القرار في مثل هذه اللحظات يُصاغ في غرف مغلقة، تحكمها حسابات المصالح لا منطق التوقعات.
ومع ذلك، فإن الوعي السياسي لا يقاس بقدرته على التنبؤ فحسب، بل بقدرته على التمييز بين ما يستحق الانشغال به وما يجب تجاوزه، وهنا، تتجلى الحكمة الوطنية كركيزة أساسية.
ففي بلدٍ يمتلك قيادة محنكة وخبرة تراكمية في إدارة الأزمات، لا ينبغي أن تُستنزف الطاقات في خلافات جانبية أو انفعالات عابرة، فالوطن الذي احتوى أبناءه في أوقات السلم كما في أوقات الشدة، ووفّر لهم الأمن حين اختلّت الموازين في محيط مضطرب، يستحق أن يكون البوصلة لا الهامش.
ولعل المقارنة المؤلمة تفرض نفسها: كم من شعوبٍ وجدت نفسها خارج أوطانها، لا لذنبٍ سوى أنها راهنت على غير أهلها؟ وكم من قوى ادّعت الدفاع عن الحقوق، ثم تخلّت عنها عند أول اختبار حقيقي؟
إن التاريخ – القريب منه قبل البعيد – يثبت أن من يفرّط في وطنه وقت حاجته، لا يجد في الغريب ملاذاً دائماً، بل قد يتحوّل إلى ورقة مؤقتة تُستَخدم ثم تُرمى. فلا العواطف الدولية دائمة، ولا الشعارات الحقوقية ثابتة أمام اختبار الأمن والمصالح.
ومن زاوية قانونية، فإن ما يُرفع من شعارات حول «حقوق الإنسان» و«حماية الحريات» و«حرية التجارة» يظل – في كثير من الأحيان – محكوماً بمبدأ السيادة. فالدول، وفقاً لقواعد القانون الدولي، تحتفظ بحقها الأصيل في حماية أمنها القومي، حتى وإن بدا ذلك على حساب بعض الاعتبارات الأخرى.
أمثلة ذلك نشهدها يومياً من خلال سياقات عديدة، والدول الكبرى قبل غيرها أثبتت مراراً أن حماية الأمن القومي تُقدَّم على غيرها من الاعتبارات، حتى وإن تعارض ذلك مع المبادئ التي ترفعها في أوقات السلم.
فهل نحن أمام ازدواجية؟ أم أمام واقعية قانونية؟
الإجابة، في تقديري، أن الأمر ليس تناقضًا بقدر ما هو ترتيب أولويات. فالدولة، أي دولة، حين تجد نفسها أمام تهديد وجودي، تعيد تعريف كل المفاهيم وفقاً لهذا التهديد، فهي تُدرك أن القانون الدولي ليس سلطة فوق الدول، بل هو منظومة تنظّم علاقاتها، لكنها لا تُلغي إرادتها السياسية.
ومن هنا، فإن الحديث عن هرمز لا ينفصل عن هذا السياق الأشمل؛ سياق عالم يعيد ترتيب نفسه على وقع الأزمات، وسياق إقليمي يتأرجح بين التصعيد والاحتواء، وسياق وطني يفرض علينا أن نكون أكثر وعياً، وأشد تماسكاً.
إن الانجراف خلف الموجة، أو الارتهان لتحليلات سطحية، قد يبعدنا عن مراسي الثبات. أما التمسك بالثوابت الوطنية، والالتفاف حول قيادة محنكة واعية تمتلك الخبرة والبصيرة، فهو الخيار الأكثر عقلانية في زمن تتبدل فيه التحالفات، وتُباع فيه المواقف.
وهكذا لا يكون السؤال: لماذا هرمز؟ بل: كيف نحافظ على وطنٍ كالبحرين في عالم الثابت الوحيد فيه هو «الوطن».
خاصة إذا كان هذا الوطن كالبحرين، التي عرفت بأنها مرتكز للاتزان، ونموذج لدولةٍ اختارت أن تُدار بالعقل لا بالانفعال، وبالحكمة لا بردود الفعل على الرغم من كل ما تعيشه اليوم من اعتداءات آثمة.
فالبحرين، بما تملكه من قيادةٍ خبيرة ورؤيةٍ متزنة، لم تكن يوماً ساحةً للارتباك، بل كانت دائماً نقطة ثبات في محيطٍ متغير.
وعليه، فإن الحديث عن هرمز لا يكتمل دون استحضار هذه الحقيقة؛ أن الدول التي تحسن قراءة التوازنات، هي ذاتها التي تحسن حماية أوطانها. وتبقى «البحرين» هي اليقين حين يصبح كل شيءٍ آخر محلّ شك.