بينما كانت المنطقة العربية تترقب ملامح استقرار إقليمي جديد، أعادت الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على البحرين رسم خارطة الصراع، ليس فقط كفعل عسكري، بل كرسالة اتصالية مشحونة بالرموز. إن قراءة المشهد البحريني اليوم من المنظور التحليلي تكشف وحدة الصف البحريني والتفاف الشعب حول قيادته الرشيدة وثقته التامة في القيادة الحكيمة والقوية التي يقودها جلالة الملك المعظم حفظه الله ورعاه، بمتابعة حثيثة من صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، في مواجهة هذه الاعتداءات الغاشمة ببسالة واقتدار واحترافية برزت في أداء المؤسسة العسكرية والمؤسسة الأمنية البحرينية حيث كانت قيادتهم جميعاً للأزمة صمام الأمان لعبور البحرين لبر الأمان والقدرة على مواجهة الاعتداءات الغاشمة ببسالة واحترافية.

لقد كشفت الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على البحرين عن تحول جذري في طبيعة «المواجهة الكبرى». فما نراه اليوم ليس مجرد صواريخ يتم اعتراضها، بل هو اصطدام بين مشروعين: مشروع «الدولة الحديثة» الصامدة، صاحبة المشروع الإصلاحي الرائد، الدولة عاشقة السلام والمودة، وبين مشروع «الفوضى الجيوسياسية».

لقد صاغ الكاتب السعودي الكبير عبد الرحمن الراشد مفهوماً جوهرياً يتمثل في «الانتحار الجيوسياسي»؛ وهو المفهوم الذي يتجلى بوضوح في استهداف البحرين.

عبر استخدام القوة الصلبة ضد المنامة ما يعكس «تخبطاً في مراكز القرار»؛ فالبحرين، بموقعها الاستراتيجي وحساسيتها الدولية، تمثل نقطة ارتكاز للأمن القومي العالمي.

لقد تحولت إلى مقبرة تُدفن فيها أوهام الهيمنة الإقليمية، فعقيدة الردع البحريني و«الدفاع النشط» قد تبنت ما نسميه بـ«الدفاع النشط». لم يعد التعامل مع المسيرات فوق الأجواء البحرينية مجرد رد فعل تقني، بل هو «عقيدة ردع» متكاملة.

ونجاح المنامة في تحقيق نسب اعتراض قياسية يعكس تحولاً من الدفاع إلى استراتيجية «إجهاض التهديد في مهده». هذا الحزم لا يحمي الأرض فحسب، بل يصون «الهيبة السيادية» ويدحض «الحرب النفسية» وبث الإشاعات الرقمية التي سرعان ما تتحطم أمام شفافية الخطاب الرسمي البحريني.

من ناحية تحليلية لسيميائية الاعتذار الإيراني والتناقض بين لغة الحوار واستهداف المنامة «تكتيكاً تضليلياً» لتوزيع الأدوار يسعى لشق الصف الدولي. إلا أن الوعي السياسي البحريني والتماسك الخليجي نجحا في تفكيك هذه السردية المزدوجة وفضحها إعلامياً وحقوقياً.

لقد استخدمت إيران الإعلام الرقمي في حرب التضليل و«تزييف الوعي»، وهي معركة لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية.

وكانت المؤسسات البحرينية لديها الخبرة والجاهزية أيضاً لمواجهة «حرب التضليل» عبر بث مقاطع فيديو مفبركة أو تضخيم آثار الاعتراضات؛ وبالتالي تم إفشال الأهداف الإيرانية الساعية إلى خلخلة «الجبهة الداخلية»، حيث كان المواطن البحريني هو «خط الدفاع الأول»، عبر التسلح بالوعي الرقمي حين رفض تداول الإشاعات، وكان من نتيجة ذلك فشل الذراع الإعلامي الإيراني في تحقيق «أهداف النصر الوهمية» التي كانت تصبو إليها في «الفضاء السيبراني».

إن البحرين اليوم، من خلال صمودها وتنسيقها عالي المستوى مع أشقائها في دول الخليج العربي، تؤكد أن الأمن الخليجي «كلٌ لا يتجزأ». والتحالفات التي تشكلت، والتعاون التقني المتطور، أعلن للعالم أن خارطة القوى قد تغيرت، حيث برزت «القوة الذاتية الخليجية» كلاعب محوري قادر على فرض معادلاته الخاصة ومواجهة الطامعين والعابثين بأمن الخليج العربي.

* دكتوراه في الإعلام الرقمي