فشل تمرير مشروع القرار بشأن مضيق هرمز، والذي تقدمت به مملكة البحرين داخل أروقة مجلس الأمن الدولي، أراه لحظة تكشف بوضوح عمق الاختلال الذي يعانيه النظام الدولي بأكمله. لحظة تقول بوضوح إن إرادة الأغلبية قد تُفرغ من مضمونها بقرار واحد يصدر من طرف محدود.
ما جرى، اختبار حقيقي لمفهوم العدالة الدولية.
حين تؤيد 11 دولة مشروع قرار يتعلق بأمن الملاحة في مضيق حيوي كهرمز، ثم يسقط بسبب اعتراض دولتين فقط، فإن المشكلة لا تعود في مضمون القرار، بل في القاعدة التي تحكم اتخاذ القرار نفسه.
كتبت قبل عامين هنا بشأن ضرورة إلغاء هذا «الحق المجحف» كتبتها «اقتلوا هذا الفيتو»، حينما قوضت قرارات ضد قضايا إنسانية، وللأسف عربية، وتحديداً في فلسطين. إذ أي منطق هذا الذي يجعل الأقلية صاحبة الكلمة الأخيرة؟ وأي عدالة هذه التي تُختزل في «حق اعتراض»؟!
لفهم المشهد، لا بد من العودة إلى جذور المشكلة. حق النقض (الفيتو) تأسس مع إنشاء الأمم المتحدة عام 1945، وتم تثبيته في ميثاقها ضمن المادة 27، في سياق سياسي بحت تشكّل خلال اتفاق «يالتا».
لم يكن الهدف تحقيق العدالة، بل ضمان بقاء القوى الكبرى داخل النظام الدولي الجديد ومنع تكرار فشل عصبة الأمم. بعبارة أوضح، نشأ حق النقض أساساً لضمان نفوذ الدول المنتصرة، لا لتحقيق حماية فعلية لمصالح الشعوب.
هذا الحق، الذي مُنح لخمس دول فقط، كان يفترض أن يكون «صمام أمان» يمنع التصادم بين القوى الكبرى، لكنه مع مرور الوقت تحول إلى أداة تعطيل ممنهج. لم يعد يسهم في احتواء الأزمات بقدر ما يؤدي إلى ترحيلها وتعقيدها مع مرور الوقت، ولم يعد يحقق التوازن، بل يفرض الإرادة.
التاريخ يؤكد ذلك بوضوح. فمنذ عام 1946، استُخدم الفيتو أكثر من 290 مرة، ليس دائماً لحماية السلام، بل في كثير من الأحيان لتعطيل قرارات ذات طابع إنساني. في القضية الفلسطينية، استُخدم الفيتو مراراً لإسقاط مشاريع قرارات تتعلق بوقف إطلاق النار أو حماية المدنيين.
وفي الأزمة السورية، عطل قرارات تتعلق بالعقوبات أو التحقيق في الانتهاكات.
وحتى في جنوب أفريقيا، ساهم الفيتو في إطالة أمد نظام الفصل العنصري، بينما في غزة خلال السنوات الأخيرة، تعثرت قرارات إنسانية عاجلة تحت وطأة الحسابات السياسية.
القاسم المشترك بين هذه النماذج يبدو جليًا، فالفيتو لا يُستخدم لإنصاف الضحية، بل لإدارة الصراع بما يخدم مصالح القوى الكبرى.
في هذا السياق، يصبح ما حدث بشأن مضيق هرمز أكثر خطورة.
فمشروع القرار لم يكن سياسياً بحتاً، بل كان يتعلق بأمن الملاحة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي. ومع ذلك، فضل. والمفارقة أن التبرير كان «منع التصعيد».
لكن الواقع يطرح سؤالاً بسيطاً: كيف يُمنع التصعيد عبر تعطيل قرارات وقائية؟!
كيف يُترك التهديد قائماً، ثم يُقال إن التدخل قد يزيد التوتر؟!
الحقيقة التي تكشفها هذه المفارقة أن الفيتو لم يعد أداة لاحتواء الأزمات، بل أصبح في كثير من الأحيان سبباً في استمرارها. حين يغيب الردع، تتوسع مساحة الفوضى، وحين تُعطّل القرارات، تتحول الأزمات من حالات قابلة للاحتواء إلى وقائع يصعب السيطرة عليها.
رغم وضوح هذا الخلل، لم يكن العالم صامتاً تماماً. فقد ظهرت عبر العقود محاولات متعددة لإصلاح هذا النظام. دول عدم الانحياز طالبت مبكراً بتقليص هيمنة القوى الكبرى، وفي عام 2015 ظهرت مبادرة تقودها فرنسا تدعو إلى عدم استخدام الفيتو في حالات الجرائم الجماعية.
كما جاءت مبادرة ليختنشتاين عام 2022 لتفرض مساءلة علنية بعد كل استخدام للفيتو داخل الجمعية العامة.
لكن كل هذه المساعي تصطدم بحقيقة واحدة، أي تعديل يتطلب موافقة الدول التي تملك الفيتو نفسه! وهنا تكمن المعضلة الكبرى. النظام الذي يحتاج إلى الإصلاح، لا يمكن إصلاحه إلا بموافقة المستفيدين منه. وهذا ما يجعل التغيير بطيئاً، وربما مستحيلاً في بعض الأحيان.
ما حدث في مجلس الأمن بالأمس إزاء جريمة «قرصنة إيرانية» صريحة، بل ممارسة إرهابية يفترض أنها مدانة من الجميع، ما حدث حلقة جديدة في سلسلة تؤكد أن المنظومة الدولية في شكلها الراهن، لم يعد قادراً على مواكبة تعقيدات العالم. والكارثة أن عالمنا اليوم أكثر ترابطاً، وأيضاً أكثر هشاشة أمام الأزمات، وأي خلل في إدارة هذه الأزمات لا يبقى محصوراً، بل يمتد أثره إلى الجميع.
ما سقط ليس مشروع قرار فقط، بل سقطت معه مرة أخرى فكرة أن العدالة الدولية يمكن أن تكون محايدة. سقطت قناعة أن المؤسسات الدولية قادرة دائماً على حماية المصالح المشتركة للبشرية.
والأخطر من ذلك، أن استمرار هذا الواقع يعني أن العالم قد يجد نفسه أمام أزمات أكبر، تُدار بنفس الأدوات القديمة.
السؤال لم يعد لماذا سقط القرار؟! بل أصبح: كم قراراً يجب أن يسقط، قبل أن يدرك العالم أن المشكلة في القاعدة نفسها؟!
كم دولة في العالم اليوم؟! كل هذا العدد الكبير، هو صاحب الحق الأصيل في التصويت على «الفيتو» وإسقاطه نهائيا، لأن هو من يقوض إرادة وحرية العالم، ويضعها في يد خمسة أصوات فقط.