أحمد جعفر

في فبراير من العام 2024، كان لي حديث مع أستاذ العلاقات الدولية البارز في باريس، خطار أبودياب، وأتذكر أنه قال لي يومها إن «العالم يستعد لعصر الحروب».

كان العالم آنذاك منغمساً في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة التي جاءت رداً على الهجمات التي نفذتها حركة حماس جنوب إسرائيل.ومنذ ذلك الوقت، اندلعت عشرات الحروب والصراعات في جميع أنحاء العالم والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الناس.

وفي هذا الإطار، أفادت ورقة بحثية نشرها مركز برشلونة للشؤون الدولية مؤخراً بأن عامي 2024 و2025 كانا الأكثر دموية منذ أكثر من سبعة عقود مع تصاعد النزاعات المسلحة.

وبينما تجددت صراعات قديمة، ظهرت بؤر توترات جديدة غير تقليدية، مما فاقم من الأزمات الإنسانية حول العالم.

وفي ظل هذه اللحظة الفارقة، يبرز سؤال قديم متجدد: هل نحن أمام نهاية النظام العالمي القائم على القواعد في عصر يخوض فيه العالم مخاض نحو التعددية القطبية؟!

إن ما نشهده اليوم من حروب ممتدة وصراعات تتشكل في مختلف القارات يبدو أنها انعكاس لصراع أعمق على النظام الدولي نفسه، في إطار محاولات كسر الهيمنة الأمريكية التي استقرت بعد نهاية الحرب الباردة في بداية التسعينات.

لكن الواقع اليوم أكثر تعقيداً من سردية «نهاية الأحادية القطبية» على اعتبار أن الواقع الدولي يعيش فوضى غير مستقرة لم تفضِ إلى نتيجة حاسمة في هذا الشأن.

فالولايات المتحدة لاتزال تحاول فرض هيمنتها مستغلة تفوقها الاقتصادي وبراعتها التكنولوجية والعسكرية، بالإضافة إلى التأثير الثقافي الواسع وقوة التعليم العالي فيها.

بالإضافة إلى ذلك، يشهد المشهد العالمي صعوداً صاروخياً للصين من جانب، ومحاولات روسية لإعادة رسم مناطق النفوذ من جانب آخر، إلى جانب قوى أخرى صاعدة تسعى لتثبيت حضورها.

بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإنها -رغم الاعتداءات الإيرانية- تبرز كنموذج فريد في مقاربة هذه التحولات العالمية، فهي تتبنى نهجاً براغماتياً يقوم على تنويع الشراكات والانفتاح على الجميع دون الدخول في لعبة الاصطفاف مع طرف دون آخر.

هذا النهج الحكيم من دول الخليج العربي، الذي يقترب مما يمكن تسميته «اللاقطبية»، يعكس فهماً عميقاً لطبيعة هذه المرحلة الحساسة.ومع ذلك، يبقى من الصعب جداً انتزاع هيمنة الولايات المتحدة على العالم، وهي إلى جانب تفوقها اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً، تملك ميزة بالغة الأهمية تتمثل في تحول البلاد خلال العقد الأخير إلى أحد أبرز منتجي الطاقة عالمياً.

كل تلك المعطيات قد ترجح نتيجة واضحة على الأقل في المدى المنظور، وهي استمرار عالم تميل كفته نحو قطب واحد رئيسي، مع هامش حركة أوسع لبقية القوى الكبرى.

أقول ذلك لأن محاولات كسر الهيمنة الأمريكية لا يتطلب فقط تحدي القوة؛ بل القدرة على استبدالها بنظام بديل متماسك، وهو ما لم يتحقق حتى الآن.

وإلى أن تتغير تلك المعادلة، فإن العالم يبدو أنه لن يغادر «عصر الحروب»، التي تحدث عنها الدكتور أبودياب، في السنوات المقبلة