جلستُ مع كوب الشاي كعادتي، أراقب البخار وهو يصعد بهدوء، كأنه آخر شيء في هذا العالم مازال يتصرّف على سجيّته. على الطاولة، كان الهاتف يقوم بدوره المعتاد في تعكير صفو المشهد: مقطع فيديو، ثم خبر، ثم شخص من أحد المواقع الإخبارية يشرح لك بثقة كاملة أن الحقيقة عنده وحده، وكأن بقية البشر مجرد لجنة استماع. في دقائق قليلة، يصبح الشاي أكثر اتزاناً من الإنترنت.
في مثل هذه الظروف التي نعيشها، نكتشف مفارقة طريفة ومقلقة في آن واحد: نحن نثق بما لا نراه، ونشك فيما نراه. لا أحد منّا يرى غرف المتابعة، ولا تفاصيل الجاهزية، ولا سلاسل القرار، ولا تلك الطبقات الهادئة من العمل التي تتحرك خلف الكواليس. ومع ذلك، حين تصل رسالة رسمية، أو يصدر توجيه واضح، أو تستمر الحياة بإيقاعها المعتاد، رغم كل ما يدور حولنا، نشعر بالطمأنينة. ليس لأننا نعرف كل التفاصيل، بل لأننا نرى أثرها. في النهاية، ليس مطلوباً من المواطن أن يطّلع على كل ما يجري حتى يطمئن؛ يكفيه أن يشعر أن هناك من يراقب، ويفهم، ويتصرف في الوقت المناسب.
في المقابل، ما نراه كل يوم على الشاشة لم يعد يورث اليقين كما كان. على العكس، كلما كثرت الصور، قلّ الاطمئنان. الفيديو الذي كان يُفترض أن يحسم الأمر، صار يحتاج إلى تفسير، وتحليل، وربما قسمٍ مغلّظ أيضاً. والصورة التي كانت يوماً «دليلاً»، أصبحت قابلة للتحرير والتلوين وإعادة الإخراج، ثم جاءت تقنيات الذكاء الاصطناعي لتضيف لمستها الكريمةّّ!! صوت يشبه الحقيقة، ووجه يشبه الحقيقة، ومشهد كامل يبدو مقنعاً لدرجة أن الحقيقة نفسها صارت تحتاج إلى بطاقة تعريف.
زمان كانوا يقولون: «الصورة لا تكذب». اليوم الصورة، مع كامل الاحترام، تحتاج إلى شهادة حسن سيرة وسلوك.
هنا تدخل التكنولوجيا إلى تفاصيل حياتنا اليومية من أوسع أبوابها. ليست في الأجهزة فقط، بل في الطريقة التي نعرف بها، ونخاف بها، ونطمئن بها. المنصات لا تعرض لنا العالم كما هو، بل كما تراه مناسبًا لشد انتباهنا. الخوارزميات لا تسأل: ما الذي تحتاج أن تعرفه؟ بل تسأل غالباً: ما الذي سيجعلك تتوقف أكثر؟ وهكذا، نجد أنفسنا نتنقل بين خبر ومقطع وتحليل، لا لنفهم أكثر، بل لنزداد حيرة بطريقة منظمة.
المفارقة أن الثقة اليوم لم تعد مرتبطة بما تراه العين مباشرة، بل بما تثبته التجربة مع الزمن. فما نراه من انتظام الدولة، وعمل مؤسساتها، واستمرار الحياة اليومية، هو أثر هادئ لقيادةٍ رشيدةٍ تدرك قيمة أمن الوطن واستقراره، ومتابعةٍ يقظة، ووعيٍ إداريٍّ راسخ. ولهذا يبدو هذا الانتظام أكثر صدقاً من سيل المرئيات التي يقدّمها لنا الهاتف كل ساعة.
أعود إلى كوب الشاي وقد فتر قليلاً، فأفكر أن الإنسان لا يريد في نهاية يومه أن يفكك العالم كله، ولا أن يتحول إلى خبير تحقق رقمي قبل النوم. هو يريد فقط أن يشعر أن الأمور، رغم كل هذا الضجيج، ما زالت في حدود المعقول. وربما لهذا صرنا نميل، من حيث لا نشعر، إلى تصديق الأثر أكثر من الصورة، والهدوء أكثر من الضجيج، وما يعمل بصمت أكثر مما يصرخ أمامنا على الشاشة.
في هذا الزمن، لم تعد المشكلة أن نرى قليلاً، بل أن نرى كثيراً إلى حدّ يجعلنا نصدّق أقل. وربما لهذا نزداد شعوراً بقيمة الأمن والطمأنينة، ونكثر الدعاء بأن يحفظ الله البحرين، ويديم عليها أمنها وطمأنينتها، ويحفظ الخليج العربي وأهله من كل سوء.
* خبير تقني